وتنشره المجلات والجرائد ، لكن هذه الوسائل وإن أُعطيت لها من القدرة والقوة لتحليل عللها ، لا تقدر على تفسير موجباتها وعواملها التي أحدثتها ، إذ هذه الحادثة رهينة شرائط غير متناهية ، وهي لا تنقطع حتى تتصل بالحوادث الواقعة في الأيام الخالية ، وهذه السلاسل من الحوادث التي لا تكاد تقف على حد تعد حدوداً ورسوماً ومعرفات لهذه الحادثة ، لا يمكن تحليلها إلّا بسردها والتدبّر فيها .
إذا عرفت هذين المثالين فهلمّ معي نحاسب الحد الذي يمكن لنا أن ندرك من الحقيقة وما معنى قولنا : هذا صحيح وهذا خطأ ، فنقول : إذا واجه العضو الحاس أجزاء كثيرة من المادّة الخارجية ، ووقف الإنسان على شرائط كثيرة لهذه الحادثة ( على ما عرفت في المثالين ) ، فالإحساس والإدراك صحيح ، صحّة نسبية ، بمعنى كثير المطابقة ، وقليل المغايرة . ولو واجه العضو الحاس أجزاء قليلة ( كما في مشاهدة الجسم ) أو وقف على شرائطه لكن على نحو أقل من السابق ، فالإدراك والإحساس خطأ نسبي ، بمعنى كثير المغايرة ،
هامش
-
آخر أمضى مقالة النسبيين وفسّر تطوّر الإدراك واختلافه ، باختلاف الأعصاب ومحالّ الإدراك ، وعلّل اختلاف الباحثين في قضائهم وأفكارهم باختلاف مراكز إدراكاتهم ، هذه المقالات قد جرّت المادّي إلى شفير السفسطة ودونك خلاصة أنظاره في المقام .
حقيقة الإدراك عند المادّي ، عبارة عمّا تكرر منّا بيانه ، وهو : أنّ الفكر خصيصة من خصائص الأعصاب الدماغية المتشكّلة على نظام خاص ، غير أنّ هذه الخصيصة انّما يظهر سلطانها إذا تأثّرت الأعصاب من المادّة الخارجية كتأثّرها من الأمواج المنبعثة من الخارج الواصلة إليها من طريقي السمع والبصر .
وإذ حمل العصب الدماغي ، أثاراً مادّية من طرق الحواس ، يستعد للتفكير والتفكّر ، والاستدلال وإقامة البرهنة ويستطيع على حل المسائل الرياضية ، وكشف القوانين الكلّية ، وإدراك المسائل الكلّية الفلسفية ، ولا يجوز عدّ التفكير عملًا خارقاً للقوانين العادية الطبيعية ، إذ ليس التفكير ، إلّا التفاعل الكيماوي الطارئ في المخ غبّ تقابل المادتين .