فلا يمكن الوقوف على الحجم الواقعي إلّا بعد الوقوف على العالم كلّه ، والموجودات عامّتها ، والشرائط الزمانية والمكانية كافّتها . وبالجملة : الوقوف على كل ما له مدخلية بالفعل أو كان له مدخلية في تكوّنه ، وقد استقام في محلّه أنّ المادّة الخارجية مرتبطة الأجزاء ، متلاصقة الأبعاض ، يؤثّر بعضها في بعض ولا تجد موجوداً مادّياً إلّا وهو مرتبط بعامّة الموجودات الحاضرة والغابرة ، وهذا معنى قولنا : إنّ أجزاء المادّة يؤثّر بعضها في بعض ، وأنّ الطبيعة الخارجية يحكم عليها التأثير والتأثّر ، تأثير الكل في الكل وارتباط الكل بالكل ، فلا يستقر أمر الجسم الخارجي بإفراز وجوده ، وعزله من قرنائهوأعداله ، ما لم يقع في صفوف سائر الموجودات حتى يحاسب بحسابه .
وعلى الجملة : الميزان في الوقوف على الحد الواقعي للجسم ، هو سرد عامّة الحوادث والموجودات ، لمدخليتها في وجوده ونشوئه ، ولا يتحصّل تحليل
هامش
-
الواقع ، فإنّ المداد في حدّ ذاته إمّا مستقيم أو منكسر ، وليس خارجاً منهما ولا جامعاً لكلا الأمرين ، فأحد الإدراكين خطأ محض .
المادّي شكّاك في علومه وإدراكاته :
إنّ المادّيين اليوم - أعني أتباع الفلسفة المادّية المتحولة - يفرّون من السفسطة والتشكيك ، فرار المزكوم من المسك ، ويعرّفون مسلكهم بمسلك الجزم واليقين ، حتى صاروا بتصحيح الفروض التي أبطلها العلم والتجربة بطريق سيوافيك بيانه ، وهو الاعتقاد بكامل الحقيقة ، وانّ لها مدارج ومراتب .
غير أنّ المقياس لتشخيص الشكّاك عن غيره ، ليس التقوّل بهذه الكلمات الفارغة ، بل الميزان هو الخطة التي اتخذها عند البحث عن قيمة العلوم والإدراكات ، وإلّا فالسوفسطائي والشكّاك كلّهم هاربون عن رميهم بالشك والسفسطة .