تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفلسفة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
قالوا : وعلى هذا الأساس لا يسمح لك أن تحكم على إدراك بأنّه صواب مطلق ، أيأنّه عين الواقع حقيقة بلا زيادة ونقصان ، لأنّك لا تناله إلّا بعد تغيرات وتصرّفات ، ولا أن تحكم بأنّه خطأ مطلق ، لأنّ كل مدرك بالنظر إلى علله وشرائطه التي أوجبته صحيح وصواب ، بمعنى أنّ هذه الشرائط والعلل لا تنتج غيره ولا تحدث إلّا إياه . وعلى ذلك : فيؤول كون الإدراك صحيحاً أو غير صحيح ، إلى النسبية . ومثل التفكير الإحساس العضوي ، فلو واجه العضو الحاس أجزاء كثيرة من المادة محفوفة بشرائط الزمان والمكان ، فهو أشد صواباً وأكثر مطابقة من خلافه . وإن شئت فاستوضح المقال بمثالين : لكلّ جسم حجم واقعي مع قطع النظر عن إدراكنا وإحساسنا لكنّه متحوّل متبدّل غير واقف على حدّ ، وبما إنّ المادّة الخارجية مرتبطة الأجزاء ،
هامش
- الحاسّة بالمادّة الخارجية ، فلا نكافحه بالرد والنقد ، إذ لا مشاحّة في الاصطلاح وإن أراد من الحقيقة ما هو المعروف بين الفلاسفة العظام بأنّها الإدراك المطابق للواقع ، فلا ينتج ما رامه ، فإنّ لكل شيء واقعية محفوظة معينة والمثال الذي ذكره أوضح دليل عليه فإنّ للمداد مع قطع النظر عن أنّه في الهواء أو في الماء شكلًا مخصوصاً وهو إمّا منكسر أو مستقيم ، فأحد الإدراكين خطأ وغلط . نعم ، الأمواج المنبعثة من الجسم المرئي الواردة إلى العضو الحاس ، وإن كانت تختلف مواضعها ، فإنّ النور ينكسر في الماء دون الهواء ولأجله يرى الجسم في الماء منكسراً بخلافه إلّا انّ ذاك الاختلاف لا يترتّب عليه ما رتّب عليه المادّي من النظرية الفلسفية ، أعني : ادّعاء كون الإدراكات كلّها حقيقة وصواباً ، إذ البحث ليس في أنّ لكل معلول علّة ، ولكل إدراك سبباً ، ولا في أنّ قوَّة الأعصاب ليس في جميع الأفراد على نسق واحد ، وانّ اختلاف الجو يورث اختلافاً في الإدراك ، بل البحوث في أنّ أيّ واحد من الإدراكين يطابق
أصول الفلسفة — صفحة 196 | السيد محمدحسين الطباطبائي / جعفر السبحاني