توضيحه : أنّ وجود كل شيء رهين شرائط زمانية ومكانية ، ولا يشذ عنه الإدراك ، فلوجوده شرائط مثل ما لغيره ، فيتوقّف وجوده على مقدّمات ومعدّات لا يوجد بدونها ، وعلى ذلك فكلّ ما أدركه الإنسان أو أحسّه فهو صحيح نسبي ، أيصحيح بالنسبة إلى المقدّمات والعلل التي أوجبت إدراك ذلك الشيء ، وبالقياس إلى الشرائط التي حفّت به .
وإن شئت قلت : كلّما يرد إلى الذهن من تفكير وإدراك وإحساس فهو صحيح بالنسبة إلى علله وشرائطه الحافّة به ، بمعنى أنّ هذه العلل والشرائط ، لا تنتج غير هذا الفكر والإحساس ، ولا يتفرّع عليها غير هذا الفرع ، ولو تغيرت شرائطه لصارت النتيجة غيرها .
مثلًا : أنّا نرى الجسم في ظروف خاصة ، ذا حجم كبير ، ونراه في شرائط أُخر ذا حجم صغير ، وكل من الإدراكين صواب بالنظر إلى علله وشرائطه التي تختلف نتيجتها باختلاف شرائطها لا بالنظر إلى غيرها .
هامش
-
وليدهما ، وإلى شرائطه وموجباته .
مثلًا : المداد والقلم ، يُرى في الماء منكسراً وفي الهواء مستقيماً ، وليس هذا خطأ في الإدراك ولا قصوراً في العلم ، بل القصور إنّما هو في التجربة ، فإنّ تأثير الجسم يختلف باختلاف محيطه وجوِّه ، وله في كل جو أثر خاص . ولا يصحّ أن تكون التجربة مبدءاً لتسمية أحد الإدراكين بالحقيقي والآخر بالمجازي ، بل التجربة تقضي على خلافه وأنّ كل واحد منهما إحساس حقيقي واقعي .
هذا البيان الضافي الذي أورده المادّي وحاول به أن يتفصى عن معضلة الخطأ ، لا يسمن ولا يغني ، فإنّ تطور الجو يورث اختلافاً في الإدراك حتى لا سترة فيه ، غير أنّ ذلك لا تُحل به مشكلة الخطأ فانّه ماذا يريد من قوله التفكيرات الإنسانية مهما بلغت إلى قمّة الاختلاف ، كلّها حقائق وليس واحد منها بكاذب ؟ فلو كان يحاول جعل اصطلاح في تعريف الحقيقة ، وانّها عبارة عن الأثر البارز في سطوح الدماغ وحفرِهِ من مواجهة