تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
الوسيط ، وألف كتاباً سماه تحقيق المحيط ، في ستة عشر مجلداً . روى ودرس وأفتى ، وكان صلاح الدين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه ، وعمر له مدرسة الشافعية ، وكان يبالغ في ذم العبيديين ، ولما هاب صلاح الدين من الإقدام على قطع خطبة العاضد وقف قدام المنبر ، وأمر أن يخطب الخطيب لبني العباس ، ففعل ولم يقع ، إلا الخير . قال الذهبي : ثم عمد إلى قبر ابن الكيزاني - من غلاة السنة وأهل الأثر - فنبشه وقال : لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد . يعني : هو والشافعي ، فثارت حنابلة مصر عليه ، ووقعت الفتنة وصار بينهم حروب . قلت : وقوله من غلاة السنة وأهل الأثر : أي ممن يتغالى في تقرير الظواهر وعدم تأويلها ، وإنما قال الذهبي : وغلاة أهل السنة ، لأنه كثيراً ما يشير إلى أن الظاهرية هم أهل السنة ، مفهماً بذلك أن اعتقاده موافق لأهل الظاهر - والله أعلم بالسرائر - ولما توفي المذكور في السنة المذكورة دفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وبينهما شباك . وكان أصحابه يصفون فضله ودينه ، وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا . وفيها توفي الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة - السهروردي المقتول بحلب . كان بارعاً في الحكمة وعلوم الفلسفة والأصول الفقهية وعلم الكلام - وشيخه وشيخ فخر الدين الرازي واحد ، وهو مجد الدين الجيلي ، وكان الحكيم المذكور مفرط الذكاء فصيح العبارة ، مناظراً محجاجاً متزهداً ، وكان علمه أكثر من عقله ، ويقال إنه كان يعرف السيمياء . حكي أنه خرج من دمشق مع جماعة ، فلما وصلوا إلى القابون لقوا قطيع غنم مع تركماني ، فقال أصحابه : زيد رأساً من هذا الغنم ، فأخذوا رأساً بعشرة دراهم كانت معه ، فقال صاحب الغنم : خذوا رأساً أصغر منه ، فقال : امشوا وأنا أقف معه وأرضيه ، فتقدموا ، وبقي يتحدث معه ويطيب قلبه ، فلما بعدوا قليلاً تبعهم وتركه ، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به ، فلم يلتفت إليه حتى لحقه وجذب يده اليسرى وقال : أين تروح وتخلفني ؟ وإذا بيده قد انخلعت من عند كتفه وصارت في يد التركماني ، ودمها يجري ، فبهت التركماني وتحير ، ورمى اليد وخاف وهرب ، وأخذ هو تلك بيده اليمنى ، ولحق أصحابه وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه . ولما وصل إلى أصحابه رأوا في يده اليمنى منديلاً لا غيره . قال ابن خلكان : ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة - انتهى والله أعلم بصحتها . قلت : ومثل هذا ما سمعته ممن يحكى عمن صاحب ابن سينا إلى جبل حراء أنه أخذ