من بدوي شاة في الطريق ، فذبحها هو وأصحابه ، وشووها وأكلوها ، فجاء البدوي إلى رأس الجبل يطالبه بالثمن ، فجلس معه في مكانه بعيداً عن رفقائه ، وتمدد بين يدي البدوي ، فنظر إليه ذلك البدوي فإذا هو مذبوح ، ففزع البدوي وهرب . قلت : وهذه الأفعال وأشباهها يئست من أفعال ، وبئس من يفعلها ، وبئس المعلم - الموصل إليها .
رجعنا إلى ذكر الحكيم السهروردي ، له تصانيف عديدة كالتنقيحات في أصول الفقه ، والتلويحات ، وكتاب الهياكل ، والرسالة الغريبة وغير ذلك . ومن كلامه : حرام على الأجساد المظلمة أن تلحق في ملكوت السماوات ، فوحد الله تعالى وأنت بتعظيمه ملآن ، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان ، ولو ما كان في الوجود شمس لأظلمت الأكوان ، وأبى النظام أن يكون غير ما كان ، فخفت حتى قلت لست بظاهر ، وظهرت من سعيي على الأكوان ، اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف . وتنسب إليه أشعار ، فمن ذلك :
جعلت هياكلها تجر على الحمى * وصبت لمغناها القديم تشوقا
وتلفتت نحو الديار فشاقها * ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها * رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنها برق تآلف بالحمى * ثم انطوى وكأنه ما أبرقا
ومن شعره المشهور :
أبداً تحن إليكم الأرواح * ووصالكم ريحانة والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم * وإلى لقاء جمالكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تحملوا * ثقل المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء البائحين تباح
فإذا هم كتموا فحدث عنهم * عند الوشاة المدمع السحاح
وبدت شواهد للسقام عليهم * فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم * للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة * وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الدجى * فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له قلوبهم * في نورها المشكاة والمصباح
ركبوا على سفن الهوى ودموعهم * بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه * حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم * أبداً وكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم * فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 330
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٣٠