تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
الأديب . كتب وسعى وجمع فأوعى ، وصنف شرحاً طويلاً للمقامات ، استوعب فيه ما لم يستوعبه غيره في خمس مجلدات كبار ، ولم يبلغ أحد من شرح المقامات إلى هذا القدر ولا إلى نصفه ، وكان مقيماً بدمشق ، والناس يأخذون عنه بعد أن كان يعلم الملك الأفضل عند السلطان صلاح الدين ، حصل له بطريقة كتباً نفيسة غريبة ، وبها استعان على شرح المقامات . وحكى أبو البركات الهاشمي قال : لما دخل السلطان صلاح الدين حلب نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب ، وقعد في خزانة كتب الوقف ، واختار منها جملة أخذها لم يمنعه منها مانع ، ولقد رأيته وهو يحشوها في عدل وقال ابن النجار : كان من الفضلاء في كل فن في الفقه والحديث والأدب ، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم ، توفي عن اثنتين وثمانين سنة . وفيها توفي أبو الفتح التعاويذي ، الشاعر الذي سار نظمه في الآفاق ، وتقدم على شعراء العراق . هكذا ذكر بعضهم في السنة المذكورة ، وقد قدمنا عن بعضهم ذكر موته في سنة ثلاث وخمسين ، وذكرت شيئاً من فضائله هناك . وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن موسى الخازمي الهمداني الملقب زين الدين ، أحد الحفاظ المتقنين وعباد الله الصالحين ، سمع من أبي الوقت حضوراً ، وسمع من أبي زرعة ، ومعمر بن الفاخر بالخاء المعجمة ورحل إلى العراق وأصبهان والجزيرة وبلاد فارس وهمدان والشام والنواحي ، وصنف التصانيف ، وكان إماماً ذكياً ثاقب الذهن ، فقيهاً بارعاً ومحدثاً ماهراً ، بصيراً بالرجال والعلل ، متبحراً في علم السنن ذا زهد وتعبد ، وتأله وانقباض عن الناس ، وغلب عليه الحديث ، وبرع فيه واشتهر به ، وصنف فيه وفي غيره كتباً مفيدة منها : الناسخ والمنسوخ في الحديث ، وكتاب الفصل في مشتبه السنة ، وكتاب عجالة المبتدىء في النسب ، وكتاب ما اتفق لفظه وافترق مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط ، وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي ، وشروط الأئمة ، وغير ذلك من الكتب النافعة . واستوطن بغداد ساكناً في الجانب الشرقي ، ولم يزل مواظباً للاشتغال ملازم الخير إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه ، فدفن في الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة ، مقابل قبر الجنيد رحمة الله تعالى على الجميع ، بعد أن صلى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر ، وحمل إلى الجانب الغربي فصلي عليه مرة بعد أخرى ، وفرق كتبه على أصحاب الحديث . وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مائة ،