تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
قدم راسخ في المجاهدة والعبادة ، وتجرد خالص من دواعي الهوى وشوائب الركون إلى العادة ، ومقاطعة دائمة بجميع الخلائق ، وصبر جميل في طلب مولاة بقطع العلائق ، وتجرع الغصص على مر الشدائد والبلوى ، ورفض كلي لجميع الأشغال اشتغالاً بالمولى . ثم لما أراد الله به نفع الخلائق بعدما تضلع من العلوم الظاهرة وأسرار الحقائق ، أضيف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد المخرمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثلها ، وبذل الأغنياء في عمارتها أعمالهم ، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم ، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن ، وكان الفراغ منها في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة ، وتصدر فيها للتدريس والوعظ والفتوى ، وجلس بها للوعظ وقصد بالزيارات والنذور ، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصلحاء جماعة كثيرون ، انتفعوا بكلامه وصحبته ومجالسته وخدمته ، وقصد إليه طلبة العلم من الآفاق ، فحملوا عنه وسمعوا منه ، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق ، وولي خزانة الأسرار وأوتي مقاليد الحقائق ، وسلمت إليه أزمة المعارف ، وصرف في الوجود المغارب منه والمشارق ، فأصبح قطب الوقت مرجوعاً إليه حكماً وعلماً ، وقام بالنظر والفتيا نقضاً وبرماً ، وبرهن على العلم فرعاً وأصلاً ، وبين الحكم عقلاً ونقلاً ، وانتصر للحق قولاً وفعلاً . وصنف كتباً مفيدة وأملأ فوائد فريدة ، فتحدث بذكره الرفاق ، وسارت بفضله الركبان وانتشرت أخباره في الآفاق ، وأعملت المطي إليه ومدت إليه الأعناق ، وتنزهت في حدائق محاسنه الأعين ، ونطقت ببدائع أوصافه الألسن ، ولقب بإمام الفريقين وموضح الطريقين ، وكريم الجدين ومعلم الطرفين ، مشتملاً برداء المفاخر والفضائل ، صادقاً فيه قول القائل : بمقدمه انهل السحاب وأعشب ال * عراق وزال الغي واتضح الرشد فعيدانه رند ، وصحراؤه حمى * وحصاؤه در وأمواجه شهد يميس به صدر العراق صبابة * وفي قلب نجد من محاسنه وجد وفي الشرق برق من مقابس نوره * وفي الغرب من ذكرى جلالته رعد فأضحى الزمان مشرقة به مناكبه ، والدين مشرفة به مناصبه ، والعلم عالية به مراتبه ، والشرع منصورة به كتائبه ، فانتمى إليه جمع عظيم من العلماء ، وتلمذ له خلق كثير من الفقهاء ، حذفت ذكرهم اختصاراً لكثرة عددهم ومشقة ذكرهم . وكذلك لبس الخرقة منه خلائق لا يحصون - من الفقراء والمشايخ الكبراء والعلماء