الزاهد : فمدحه بصفة الزهد ، التي هي من أوائل منازل السالكين المبتدئين من المريدين ، وقول : انتهى إليه التقدم في الوعظ والكلام على الخواطر ؛ فغض من منصبه العالي ، وقدح لا مدح فيما له من المفاخر والمعالي .
فمن مدح السادات أهل نهاية * وسامي مقامات بأوصاف مبتدي
فقد ذمهم فيما به ظن مدحهم * وكم معتد فيها بزعمه مهتدي
وهو القائل - رضي الله تعالى عنه - منطقاً بالهدى والمعارف والحكم . لا بالهوى والخرافات والخطوط التي تذمم :
ما في الصبابة منهل مستعذب * إلا ولي فيه الألذ الأطيب
أو في الوصال مكانة مخصوصة * إلا ومنزلتي أعز وأقرب
وهبت لي الأيام رونق صفوها * فحلت مناهلها وطاب المشرب
وغدوت مخطوباً بالكل كريمة * لا يهتدي فيها اللبيب ويخطب
أنا من رجال لا يخاف جليسهم * ريب الزمان ولا يرى ما يرهب
قوم لهم في كل مجد رتبة * علوية وبكل جيش موكب
أنا بلبل الأفراح أملىء دوحها * طرباً ، وفي العلماء باز أشهب
أضحت جيوش الحب تحت مشيئتي * طوعاً ومهما رمته لا يعزب
أصبحت لا أملاً ولا أمنية * أرجو ، ولا موعودة أترقب
ما زلت أرتع في ميادين الرضى * حتى وهبت مكانة لا توهب
أضحى الزمان كحلة مرقومة تزهو ونحن له الطراز المذهب
أفلت شموس الأولين ، وشمسنا * أبداً على فلك العلى لا تغرب
ذكروا لشيخ عبد القادر بن أبي صالح الزاهد
نسبه ومولده وصنعته رضي الله تعالى عنه
أما نسبه رضي الله عنه فهو الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن أبي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليهم - سبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد ، وبه كان يعرف حين كان بجيلان . وأما مولده رضي الله عنه : فسئل - رضي الله تعالى عنه - عن مولده فقال : لا أعلمه حقيقة ، لكني قدمت بغداد في السنة التي مات فيها التميمي ، وعمري إذ ذاك ثماني عشرة سنة . قال الراوي : والتميمي هذا هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب ، توفي سنة ثمانين وأربع مائة ، فيكون مولده رضي الله تعالى عنه سنة سبعين وأربعمائة ، وذكر أبو الفضل أحمد ابن صالح الجيلي أن مولد الشيخ محيي الدين المذكور سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ، وأنه دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مائة وله ثماني عشرة سنة . قلت : وذكر بعضهم أنه منسوب إلى جيل بكسر الجيم وسكون المثناة من تحت وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان ، وبها ولد ، ويقال لها أيضاً جيلان وكيلان ، وكيل أيضاً قرية على شاطىء دجلة على مسيرة يوم من بغداد من جهة طريق واسط ، ويقال : فيها أيضاً جيل - بالجيم - ومن ثم يقال : كيل العجم ، وكيل العراق والجيل أيضاً قرية تحت المدائن ، وفي النسبة يقال : جيلاني وكيلاني وجيلي وكيلي . وأمه رضي الله تعالى عنه أم الخير أمة الجبار : فاطمة بنت أبي عبد الله الصومعي ، وكان لها حظ وافر من الخير والصلاح . والصومعي من جملة - مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم ، وله الأحوال والكرامات الجلية ، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله - سنه دون سنه - نشأ نشوءاً صالحا في العلم والخبرة ، ومات بجيلان شاباً ، وعمته المرأة الصالحة أم محمد عائشة بنت عبد الله ذات الكرامات الظاهرة . روي أن بلاد جيلان أجدبت مرة ، واستسقى أهلها ، فلم يسقوا ، فأتى المشايخ إلى دار الشيخة عائشة المذكورة ، وسألوها الاستسقاء لهم ، فقامت إلى رحبة بيتها ، وكنست الأرض وقالت : يا رب ، أنا كنست ، فرش أنت ! قال : فلم يلبثوا أن مطرت السماء كأفواه القرب ، فرجعوا إلى بيوتهم يخوضون في الماء . وأما صفة الشيخ رضي الله عنه فروي أنه كان نحيف البدن ربع الشامة ، عريض الصدر عريض اللحية وطويلها ، أسمر مقرون الحاجبين ، أدعج العينين ، ذا صوت جهوري وسمت
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 265
مساهمون: خليل المنصور
ص٢٦٥