تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
كواكبها ، ونظر قلبه إلى رقوم الفتح في ذيول الكشف عن الأسرار ، وشخص سره إلى شموس المعارف من مطالع الأنوار . وأشهدت بصيرته عرائس الحقائق في مقاصير الغيوب ، وأسكنت سريرته حضرة القدس في خلوة وصل المحب بالمحبوب ، ورفعت أسراره إلى مشاهد المجد والكمال ، ودام إحضاره في معالم العز والجلال ، هنالك نكشف له علم السر المصون ، واتضح له حقيقة الحق المكنون ، واطلع على معاني خفايا مكامن المكنونات ، وشاهد مجاري القدر في تصاريف المشيئات ، واخترع الحكم من معادنها ، وأظهر التحف من مكامنها ، فآتاه الله الأمر النقي من تدنيس التلبيس بالجلوس للوعظ والتصدر للتدريس . وكان أول جلوسه للوعظ في الحلبة النورانية في شوال سنة إحدى وعشرين وخمس مائة ، فجلس مجلسا لله درة من مجلس ، تجلله الهيبة والبهاء ، وتحف به الملائكة والأولياء ، فقام بنص الكتاب والسنة خطيباً على الأشهاد ، ودعا الخلق إلى الله تعالى فأسرعوا إلى الانقياد ، فيا له من داع أجابته أرواح المشتاقين ، ومن مناد لبته قلوب العارفين ، ومن حاد هيم ركائب النفوس في فلوات الشوق إلى رؤية الجمال ، ومن هاد ساق نجائب القلوب إلى حمى الوصال ، ومن ساق روى عطاش العقول من شراب القدس ، وشوقها إلى منادمة الحبيب على بساط الأنس ، وكشف براقع اللبس عن وجوه المعارف ، ورفع أغطية الغين عن عين شرائف اللطائف ، وهز أعطاف القلوب بوصف جمال القدم ، وأرقص أشباح الأرواح بسماع نعت كمال الكرم - وناغي أطيار الأسرار في صوامع قدسها بألحان لذيذ أنسها ، فطارت من أركان أطورها في حبها إلى أنوار أنوار هامع جنسها ، وجلى عرائس المواعظ فدهش لبهجة حسنها العشاق ، وزف مخدرات المواهب فصبا لمعنى جمالها كل مشتاق ، ونطق بنفائس الحكم من رياض أنس أينعت مروجها ، وأبرز جواهر التوحيد من بحار علوم تلاطمت أمواجها ، يرى من معانيها درراً وياقوتاً ، ويجد من درها دواء ومن ياقوتها قوتاً ، ودبج روض الحقائق بحدائق ذات بهجة فيا لها للمالكين إلى الله محجة وحجة ، وبث لآلىء الفتح على بساط الإفهام ، فتسابق لالتقاطها أولو الألباب والأقلام ، فتنضدت منها فوائد هدى في أعناق ذوي الهمم العلية ، يصل المتحلي بها بإذن الله تعالى إلى مقامات السنية ، فجال في النفوس مجال الأنفاس في الصدور ، وعبق بالقلوب عبق الروض الممطور ، وأبرأ النفوس من أسقامها ، وشفى الخواطر من أوهامها ، فما سمعه إلا من أوضح بالتوبة دجونه ، أو من اكتحل بالبكاء جفونه ، فكم رد إلى الله عاصياً ، وكم ثبت الله به واهياً ، وكم أصحى من خمر الهوى سكارى ، وكم فك من قيود الناس أسارى ، وكم اصطفى الله به أوتاداً وأبدالاً ، وكم وهب الله به مقاماً وحالاً ، وما زالت نجائب المواهب ترحل إليه . رحمة الله تبارك وتعالى عليه : عبد له فوق المعالي رتبة * وله المماجد والفخار الأفخر