وإن يدي يحيى الوزير لكافل * بها لي ، وعون الدين خير كفيل
وأهدي إلى الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان ، وفي مجلسه جماعة فيهم حيص بيص ، فقال الوزير : يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر ، فقال بعض الحاضرين :
ألين لداود الحديد كرامةً * يقدره في السرد كيف يريد
ولان ذلك البلور وهو حجارة * ومعطفه صعب المرام شديد
فقال حيص بيص له : إنما وصفت صانع الدواة ، ولم تصفها ؟ ! فقال الوزير : من غيره ؟ فقال حيص بيص :
صيغت دواتك من يوميك فاشتبها * على الأنام ببلور ومرجان
فيوم سلمك مبيض يفيض ندى * ويوم حربك قان بالدم القاني
وقد تقدمت حكاية عنه في السبب الذي نال به الوزارة في ترجمة السيد الجليل الولي الحفيل ذي الوصف الجميل والمجد الأثيل معروف - عرفنا الله تعالى بركته - في سنة مائتين .
سنة إحدى وستين وخمس مائة
فيها كثر ببغداد الروافض والسب ، وعظم الخطب . وفيها توفي مسند أصبهان الإمام أبو عبد الله الحسن بن العباس الأصبهاني الرستمي الفقيه الشافعي ، سمع أبا عمرو بن منده وطائفة ، وتفرد ورحل إليه ، وكان زاهداً ورعاً خاشعاً فقيهاً مفتياً محققاً ، تفقه بجماعة . وفيها توفي الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد المغربي الصنهاجي . روى عن أبي الحسن الجذامي والقاضي عياض ، وكان عالما بالحديث وطرقه وبالنحو واللغة والنسب ، كثير الفضائل وقبره بظاهر بعلبك . وفيها توفي قطب الأولياء الكرام ، شيخ المسلمين والإسلام ، ركن الشريعة ، وعلم الطريقة ، وموضح أسرار الحقيقة ، حامل راية علما للمعارف والمفاخر ، شيخ الشيوخ وقدوة الأولياء العارفين الأكابر ، أستاذ أرباب الوجود أبو محمد محيي الدين عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ، قدس الله روحه ونور ضريحه ، لما تحلى - رضي الله عنه - بحلل العلوم الشرعية ونال لطائفها ، وتجمل بتيجان الفنون الدينية ، وحاز شرائفها ، وهجر في مهاجرته إلى الحق كل الخلائق ، وتزود في سفره إلى ربه عز وجل أحسن الآداب وأشرف الحقائق ، وعقدت له ألوية الولاية فوق العلى ذوائبها ، ورفعت له منازل جلي له ، في سماء القرب