تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد ، وصار ذلك كالعلم عليه ، وأثر آثاراً جميلة ، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد ، وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه ، وبنى سور مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وما كان قد خرب من مسجده ، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة والمدينة من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة . وكان له ديوان مرتب باسم أرباب الرسوم والقصاد لا غير ، وتنوع في فعل الخير حتى أنه جاء في زمنه غلاء مفرط ، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء ، وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية . وأخبر بعض وكلائه أنه دخل يوماً فناوله بقيارة وقال له : بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج ، فقال له الوكيل : إنه لم يبق شيء عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك ، وإذا بعت هذا ربما تحتاج إلى تغيير البقيار ، فلا تجد ما تلبسه ، فقال له : إن هذا الوقت صعب كما ترى ، وربما لا أجد وقتاً أصنع فيه الخير كهذا الوقت ، فخرج الوكيل ، وباع البقيار وتصدق بثمنه . وله من النوادر أشياء كثيرة ، وأقام على هذه الحالة إلى أن توفي السلطان غازي وتولى أخوه قطب الدين ، فاستكثر إقطاعه ، وثقل عليه أمره ، وقبض عليه ، وحبسه إلى أن توفي مسجوناً في العشر الأخير من شهر رمضان - وقيل من شعبان في السنة المذكورة - وصلي عليه ، وكان يوماً مشهوراً من ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته ، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ، ثم نقل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف به حول الكعبة بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات ، وكانوا يطوفون به كل يوم مراراً مدة مقامهم بمكة ، وكان يوم دخوله مكة يوماً مشهوراً من اجتماع الخلق والبكاء عليه وكان معه شخص مرتب يذكر مآثره ، ويعقد محاسنه إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة ، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد : يا كعبة الإسلام هذا الذي * جاءك يسعى كعبة الجود قصدت في الشام وهذا الذي * لم يخل يوماً غير مقصود ثم حمل إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ودفن بها بالبقيع بعد أن
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 259 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي