تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وطلب الاجتماع به موهماً عدم اطلاعه على قتله ، وطلبوه في جميع مظانه في القصر ، فلم يقفوا له على خبر ، فتحققوا عدمه . فأخرج عباس أخوي الظافر وقال : أنتما قتلتما إمامنا ، وما نعرفه إلا منكما ، فأصرا على الإنكار صادقين ، فقتلهما في الوقت لنفي التهمة عن نفسه ، ثم استدعى بولده الفائز - وعمره خمس سنين كما تقدم ، وقيل : سنتان - فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار ، فأمر أن تدخل الأمراء ، فدخلوا فقال لهم : هذا ولد مولانا ، وقد قتل عماه أباه ، وقد قتلهما كما ترون ، والواجب إخلاص الساعة لهذا الطفل ، فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا . فصاحوا صيحة واحدة ، فاضطرب منها الطفل ، فبال على كتف عباس ، وسماه : الفائز ، وسيره إلى أمه ، واختل من تلك الصيحة ، فصار يصرع في كل وقت ، ويختلج ، وخرج عباس إلى داره ، ودبر الأمور ، وانفرد بالتصرف - وكان وزيراً للظافر - وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر ، وأخذوا في الحيلة في قتل عباس وابنه ، وكاتبوا طلائع ابن رزيك - بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون المثناة من تحت بعدها كاف - الملقب بالملك الصالح ، وكان إذ ذاك والي سبتة بني حصيب في الصعيد ، وسألوه الانتصار لهم ، وقطعوا شعورهم ، وسيروها في طي الكتاب ، وسودوا الكتاب ، فلما وقف الصالح عليه اطلع من حوله من كبار الأجناد ، وتحدث معهم في ذلك فأجابوه إلى الخروج معه ، واستمال جمعاً من العرب ، وساروا قاصدين القاهرة - وقد لبسوا السواد - فلما قاربوها خرج إليهم جميع من فيها من الأمراء والأجناد والسودان ، وتركوا عباساً وحده ، وخرج عباس في ساعته من القاهرة - ومعه ولده قاتل الظافر ، وشئ من مآله وجماعة يسيرة من أتباعه - وقصدوا طريق الشام . وأما صالح فإنه دخل القاهرة بغير قتال ، وما قدم شيئاً على النزول بدار عباس المعروفة بدار المأمون بن البطائحي ، وقد ضاع مدرسة للحنفية ، وتعرف بالسيوفية ، واستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر ومن معه من المقتولين ، وحملوا وقطعت لهم الشعور ، وانتشر البكاء والنياحة في البلد ، ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع الدفن ، وتكفل الصالح بالصغير ، ودبر أحواله . وأما عباس ومن معه فإن أخت الظافر كاتبت فرنج عسقلان بسببه ، وشرطت لهم مالاً جزيلاً إذا أمسكوه ، فخرجوا عليه وصادفوه ، فتواقعوا واقتتلوا ، وقتلوا عباساً وأخذوا مآله وولده ، وانهزم بعض أصحابه إلى الشام ، وسيرت الفرنج نصر بن عباس القاتل المذكور إلى القاهرة محتاطاً به في قفص حديد ، فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطوا لهم من المال ، وأخذوا نصراً المذكور ، ومثلوا به ، ثم صلبوه على باب زويلة ، ثم أحرقوه . هذه خلاصة