وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن نصر المخزومي الخالدي ، المعروف بابن القيسراني الشاعر المشهور ومن الشعراء المجيدين والأدباء المتفننين - وكان بينه وبين ابن منير المذكور معارضة كجرير والفرزدق في زمانهما ، وبينهما مهاجاة ومكاتبات وأجوبة ، وكانا مقيمين بحلب ، ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة النظراء ، ومن شعر ابن المنير المذكور :
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله في منزل فالحزم أن يترحلا
فالبدر لما أن تضاءل جد في * طلب الكمال فحازه متنقل
سفهاً لحلمك إن رضيت بمشرب رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً * أفلا فليت بهن ناصية الفل
فارق ترق كالسيف سل فبان في * متنيه ما أخفى القراب وأخمل
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة * ما الموت إلا أن تعيش مذلل
لا ترض من دنياك ما أرضاك من دنس وكن طيفاً جلى ثم انجلا
وصل الهجير بهجر قوم كلما * أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
لله علمي بالزمان وأهله * ذنب الفضيلة عندهم أن تكمل
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم * إن قلت قال وإن سكت تأولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه * سامته همته السماك الأعزلا
والطرابلسي نسبة إلى طرابلس ، وهي مدينة بساحل الشام قريبه من بعلبك ، وقد تزاد الهمزة في أولها ، فيقال : أطرابلس ، وقوله :
سفهاً بحلمك إن رضيت بمشرب * رنق ، ورزق الله قد ملأ المل
الرنق : بالراء والنون والقاف : قال في الصحاح : والرنق بالتحريك : مصدر قولك : رنق الماء بالكسر إذا تكدر ، وعيش رنق : أي كدر ، والله أعلم - ومن شعر ابن القيسراني :
والله لو أنصف العشاق أنفسهم * فدوك فيها بما عزوا وما صانوا
ما أنت حين تغشى في مجالسهم * إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
وله هذا البيت من قصيدة وكان كثير الإعجاب به :
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجداً * ألست تري في وجهه أثر الترب
ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدة رائقة :
هذا الذي سلب العشاق نومهم * أما ترى عينه ملأى من الوسن ؟
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 220
مساهمون: خليل المنصور
ص٢٢٠