تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
النفس ، ففرق مملكته على أصحابه ، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم ، وكان حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس ، فمن ذلك أن أتابك زنكي - صاحب الموصل - أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن أبي القاسم الشهرزوري في رسالته ، فوصل إليه ، وأقام معه في العسكر ، فوقف يوماً على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب ، فعاد إلى خيمته ، فأذن المغرب - وهو في الطريق - فرأى إنساناً فقيهاً في خيمة ، فنزل إليه فصلى معه ، ثم سأله كمال الدين : من أين أنت ؟ فقال : أنا قاضي مدينة كذا ، فقال له كمال الدين : القضاة ثلاثة ، قاضيان في النار ، وهما أنا وأنت ، وقاض في الجنة - وهو من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم - فلما كان من الغد أرسل السلطان ، وأحضر كمال الدين إليه ، فلما دخل كمال الدين عليه ورآه ضحك وقال : القضاة ثلاثة . فقال كمال الدين : نعم يا مولانا ؛ فقال : والله صدقت ؛ ما أسعد من لا يرانا ولا نراه .

سنة ثمان وأربعين وخمس مائة

فيها خرجت الغز على أهل خراسان ، وهم تركمان ما وراء النهر ، فالتقاهم سنجر ، فاستباحوا عسكره قتلاً واسراً ، ثم هجموا نيسابور ، فقتلوا فيها قتلاً ذريعاً ، ثم أخذوا بلخ ، وأسر السلطان سنجر ، فبقي في أيديهم - ، وكانوا نحو مائة ألف - فلما ملكت الخطا ما وراء النهر طردوا عنها هؤلاء الغز فنزلوا بنواحي بلخ ، ثم ساروا وعملوا بخراسان ما لا يعمله الكفار من القتل والأسر والخراب والمصادرة والعذاب ، ثم تجمع عسكر خراسان ، فواقعوا الغز وقعات ، كان الظفر في أكثرها للغز . وفي السنة المذكورة أخذت الفرنج عسقلان بعد عدة حصارات ، وكان المصريون يمدونها بالرجال والذخائر ، فاختلف عسكرها ، وقتل منهم جماعة ، فاغتنم الفرنج غفلتهم ، فيكبوا الأسوار ودخلوها . وفيها توفي الزاهد العابد أبو العباس أحمد بن أبي غالب البغدادي الوراق . زاره السلطان مسعود في مسجده ، فتشاغل عنه بالصلاة ، وما زاده على أن قال : يا مسعود ؛ اعدل وادع لي الله ، أكبر وأحرم بالصلاة ، فبكى السلطان ، وأبطل المكوس والضرائب وتاب . وفيها توفي أبو الحسين الرفاء أحمد بن منير الأطرابلسي الشاعر المشهور . وكان رافضياً هجاء فائق النظم ، وله ديوان .
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 219 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي