المذكور مال يتجر به ، فانتهب مع جملة ما نهب من زبيد ، قال الامام المعروف بابن سمرة في تاريخه : وأظن ذلك وقع في الوقعة الأولى سنة تسمع وتسعين وأربعمائة . ثم خرج ابن عبدويه المذكور فسكن في جزيرة كمران ، قلت وبها توفي ، وأنا ممن زار قبره هنالك . قال ابن سمرة : وكانت أهل التوحيد وأهل الجلالات - يأتون للسلام عليه ، ويقبلون رأسه - وهو قاعد - وكان كثير الزهد والورع ، متحرياً في المطعم ، لا يأكل إلا الأرز من بلاد الهند ، وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة والهند ومكة وعدن للتجارة ، فأخلف الله تعالى عليه أموالاً ، فكان ينفق على طلبة العلم منها ، وكان ظاهر التقوى مؤالفا للمسلمين من كل أفق . وله تصنيف في أصول الفقه سماه الإرشاد ، وكان له ولد عالم بعلم الكلام والأصول مع تنوير في الفقه يسمى عبد الله ، تفقه بأبيه ، ومات قبله في سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة ، ودفن في الجزيرة المذكورة ، ودفن والده لما توفى إلى جنبه ، وقبرهما هنالك بجنب المسجد يزاران ، يزورهم الصالحون وغيرهم ، ويتبرك بترابهما . قال ابن سمرة : وله ذرية فقراء في هذه الجزيرة إلى اليوم ، وهم ذوو مروءة ودين ، وذكر أنه حج من عدن في البحر مع الشيخ الكبير الولي الشهير : مدافع بن سعيد التميمي ، ومروا بالجزيرة المذكورة في سنة أربع وسبعين وخمس مائة ، فكنا نقصد القبرين ، ونزورهما واردين وصادرين ، ونتبرك بالمسجد والقبرين وآثار الفقيهين وآثار التدريس . وفي المسجد ختمة موقوفة ، ذكر بعض ذرية الشيخ محمد أنه بخط جده محمد المذكور ، هذا بعض كلام ابن سمرة في ذلك . قلت : وقد زرت المسجد والقبرين ، فأدركت بعض ذرية الوليين المذكورين ، وأضافوني خبزاً وتمراً وملما ، وسمكاً يقال له الشيراز ، وكان الشيخ في ذلك الزمان لمكان الشيخ أحمد الأسوم ، من أهل الصلاح وممن أشار إليه بالسر والصلاح ، وكان الشيخ ابن عبدويه المذكور معظماً عند الناس غزير العلم كريم النفس ، ارتحل إليه خلائق من فقهاء اليمن من بلدان شتى لعلمه وجوده وإتقانه وفهمه ، وأخذوا عنه العلم ، وكتب للشيخ أبي إسحاق المهذب وغيره ، والتاريخ قرأه بعضهم عليه في سنة تسع عشرة وخمس مائة ، كان قد ابتلي بذهاب البصر ، فقال عند ذلك مخاطباً لنفسه - رحمة الله عليه - :
وقالوا قددها عينيك سوء * فلو عالجته بالقدح زالا
فقلت الرب مختبري بهذا * فإن أصبر أنل منه الجلالا
وإن أجزع حرمت الأجر منه * وكان حصيصتي منه الوبالا
وإني صابر راض شكور * ولست مغيراً ما قد أنا لا
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 186
مساهمون: خليل المنصور
ص١٨٦