تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
باهتاً ينظر إلي ، وهو في صورته خجلان ، ولم ينطق بشيء . ثم استيقظت من منامي ، وهو على تلك الحال ، قال : ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته . وحكي أنه دخل على المبرد رجل ، فأراد القيام ، فقال : أنشدك الله أبا العباس ، إن قمت ، قال : فلم أخبا قيامي ؟ وأنشد : إذا ما بصرنا به مقبلاً * حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرون قيامي له * فإن الكرام تجل الكراما وكانت ولادة المبرد يوم الاثنين سنة عشر وقيل سبع ومائتين ، وتوفي يوم الاثنين سنة خمس ، وقيل ست وثمانين . فلما مات نظم فيه وفي ثعلب ، ابن العلاف . ذهب المبرد وانقضت أيامه * وليذهبن إثر المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه * حزباً وباقي بيت تلك سيخبر فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا * الدهر أنفسكم على ما يسلب وتزودوا عن ثعلب فبكأس ما * شرب المبرد عن قريب يشرب وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه * إن كانت الأنفاس مما يكتب قلت : وهذه الألفاظ جميعاً لفظه ، إلا لفظ " بيت تلك سيخرب " فإني أبدلته عن قوله : بيتها فسيخرب ، كراهة لإدخال الفاء في سيخرب ، وإن كان مما يتجوز فيه ، فإن وزان لفظة ، نحو قولك : زيد قائم وأبوه فسيقوم ، ووزان لفظي : قام زيد وأخوه سيقوم ، وهذا هو الجائز على قاعدة العربية ، والرجل والمرأة المذكوران المنسوب إليهما الحمق ، قيل : لأن الرجل شرد له بعير ، فقال : من جاء به فله بعيران . فقيل له : أتجعل في بعير بعيرين ؟ فقال إنكم لا تعرفون حلاوة الوجدان . فنسب إلى الحمق لهذا السبب ، فسارت به الأشعار ، واكتسب بذلك اشتهاراً ، واستشهدوا على ذلك بما أثرت حذفه اختصاراً . وأما المرأة فسبب نسبتها إلى الحمق أنها ولدت ، فصاح المولود ، فقالت لامرأة : أيفتح الجعر فاه ؟ . فقالت المرأة : نعم ، ويسب أباه ، فصارت مثلاً والجعر بفتح الجيم وسكون العين المهملة وهو في الأصل روث كل ذي مخلب من السباع ، وقد يستعمل في غيرها بطريق التجوز ، فظنت بجهلها ولدت ، أنه قد خرج منها المعتاد ، فلما استهل المولود عجبت من ذلك وسألت عنه . وكان سبب نسبتها إلى الحمق ، وكانت مزوجة من بني العنبر بن عمرو بن تميم . فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعر . قال ابن خلكان : وهذا كله ، وإن كان خارجاً عن المقصود ، لكنها فوائد غريبة ، فأحببت ذكرها .