تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
قالوا : وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار من ذلك ، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه . وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي قال : قلت لأبي عبد الله الدينوري ختن ثعلب : . لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرد . فقال : لأن المبرد حسن العبارة ، حلو الإشارة ، فصيح اللسان ، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين ، فإذا اجتمعا في محفل ، حكم للمبرد على الظاهر ، إلى أن يعرف الباطن . وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر . وحكي عن بعضهم أنه رأى المبرد في المنام ، وجرى له معه قصة عجيبة . وذلك أنه كان عنده " كتاب الكامل " للمبرد ، و " كتاب العقد " لابن عبد ربه ، وهو يطالع فيها ، قال : فرأيت في العقد في فصل ترجمته ، قوله : ما غلط فيه على الشعراء ، وذكر أبياتاً نسب أصحابها فيها إلى الغلط ، وهي صحيحة . وإنما وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم اطلاعه على حقيقة الأمر فيها ، ومن جملة من ذكر المبرد فقال : ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب الروضة ، ورده على الحسن بن هانىء ، يعني أبا نواس ، في قوله : وما لبكر بن وائل عصم * إلا بحمقائها وكاذبها فزعم أنه بحمقائها رجلاً ، ولا يقال في الرجل حمقاً ، وإنما أراد " دغه " بضم الدال وفتح الغين المعجمة العجلية ، وعجل في بكر ، وبها يضرب المثل في الحمق . هذا كلام صاحب العقد ، وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط ، يتوهمه أنه قصد " هبنقة " بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف وبه يضرب المثل في الحمق ، فيقال أحمق من هبنقة ، ولم يقصده وإنما قصد المرأة المذكورة ، فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس ، قال : فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة ، رأيت في المنام كأنا قد صلينا الظهر ، فلما فرغنا من الصلاة ، قمت لأخرج ، فرأيت شخصاً واقفاً يصلي ، فقال لي بعض الحاضرين : هذا أبو العباس المبرد ، فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه ، فلما فرغ سلمت عليه وقلت له : أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل ، فقال لي : رأيت كتابي الروضة ؟ فقلت : لا ، وما كنت رأيته قبل ذلك . فقال : قم حتى أريك إياه . وصعد بي إلى بيته ، فرأيت فيه كتباً كثيرة ، فقعد يفتش عليه ، وقعدت أنا ناحية عنه ، فأخرج منه مجلداً ، فدفعه إلي ففتحته وتركته في حجري ، ثم قلت : قد أخذوا عليك فيه ، فقال : أي شيء أخذوا ؟ فقلت : إنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني ، وأنشدته إياه ، فقال : نعم ، غلط في هذا . فقلت : إنه لم يغلط بل هو على الصواب ، ونسبوك إلى الغلط في تغليطه . فقال : وكيف هذا ؟ . فعرفته ما قاله صاحب العقد ، فعض على رأس سبابته ، وبقي