تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين ديناراً أخرى ، وحلف إنه يردها عليه ، وسيرها إليه ، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول : شكرتك إن الشكر للسيد نعمة * ومن يشكر المعروف بالله زائده لكل زمان واحد يقتدى به * وهذا زمان أنت لا شك واحده قلت : وحكي أن هذين البيتين كتبهما الشيخ الإمام محيي الدين النووي ، وأرسل بهما إلى الشيخ الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد ، رضي الله تعالى عنهما ، لما بلغه أنه قيل دقيق " العيد " ، لم لا تصنف في الفقه ؟ فقال : قد صنف الشيخ محيي الدين النووي ما فيه كفاية ، أو كما قال : ومثل هذا ما حكي أيضاً أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قيل له : لم لا تصنف في التفسير ؟ . فقال : يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمة الله عليهما . وكان البحتري قد اجتاز بالموصل وقيل برأس عين ، فمرض مرضاً شديداً . وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه ، فوصف له يوماً مزورة ، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه ، فقال الغلام : أصنع هذه المزورة ؟ . وكان بعض رؤساء البلد حاضراً عنده ، وقد جاء يعوده فقال ذلك الرئيس : هذا الغلام ما يحسن يطبخها ، وعندي طباخ من نعته وصفته كيت وكنت ، وبالغ في حسن صفته ، فترك الغلام عملها اعتماداً على قوله ، البحتري ينتظر ، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها . فلما أبطأت عليه وفات وقتها وصولها إليه ، كتب إلى الرئيس : وجدت وعدك زوراً في مزورة * حلفت مجتهداً إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشفاء * ولا علت كفه ملق كفه فيها فاحبس رسولك عني أن يجيء بها * فقد حبست رسولي عن تقاضيها قوله : طاهيها أي طابخها ، فالطهي : الطبخ صرح به في ديوان الأدب . وأخباره ومحاسنه كثيرة ، ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ، ورتبه على الحروف . وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني ، ولم يرتبه على الحروف ، بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام . وللبحتري أيضاً كتاب حماسة على مثال حماسة أبي تمام ، وله " كتاب معاني الشعر " وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين . قال ابن الجوزي ، وتوفي وهو ابن ثمانين سنة . وقال الذهبي : ابن بضع وسبعين سنة ، وقيل توفي في السنة التي قبل هذه ، وقيل في التي بعدها ، وقيل في سنة ست وثمانين . وقال الخطيب : كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة ،