حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى * ذاك الدجى وانجاب ذلك العثير
وافتن فيك الناظرون فإصبع * يومي إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بها * من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا طلعتك التي قد هللوا * لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً * نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع * لله لا تزهو ولا تتكبر
فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما * في وسعه لمشى إليك المنبر
أبديت من فصل الخطاب بحكمة * تنبي عن الحق المبين وتخبر
ووقفت في برد النبي مذكراً * بالله تنذر تارة وتبشر
وقوله : وانجاب ذلك العثير هو بكسر العين المهملة وسكون المثلثة وفتح المثناة من تحت والمراد به : الغبار . قال بعض الفضلاء : وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة ، والسهل الممتنع ، فلله دره ما أسلس قياده ، وأعذب ألفاظه ، وأحسن سبكه ، وألطف مقاصده . وليس فيه من الحشو شيء ، بل جميعه تحت ، وديوانه موجود ، وشعره سائر ، فلا حاجة إلى الإكثار منه ها هنا لكن تذكر من وقائعه ما يستطرف .
فمن ذلك أنه كان بحلب شخص يقال له أحمد بن طاهر الهاشمي ، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار ، فأنفقها على الشعراء والوزراء وفي سبيل الله ، فقصده البحتري من العراق . فلما وصل إلى حلب قيل له : إنه قد قعد في بيته لديون ركبته ، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً ، وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه . فلما وصلته ووقف عليها بكى ، ودعا بغلام له وقال له : بع داري ، فقال له : لا تبع دارك ، وتبقى على رؤوس الناس ، فقال له : لا بد من بيعها ، فباعها بثلاث مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها هذه الأبيات :
لو يكون الحياء حسب * أنت لدينا به محل وأهل
لحثيت اللجين والدر والياً * قوت حثواً وكأن ذلك بقل
والأديب الأريب يسمع بالعذر * إذا قص الصديق المقل
فلما وصلت الرقعة للبحتري رد الدنانير وكتب إليه :
بأبي أنت أنت للبر أهل * والمساعي بعد سعيك قبل
والنوال القليل يكثر إن شاء * مرجيك والكثير يقل
غير أني رددت برك إذ كان * ربا منك والربا لا يحل
فإذا ما جزيت شعراً بشعر * قضي الحق والدنانير فضل
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 154
مساهمون: خليل المنصور
ص١٥٤