من العبادات فالنية واجبة فيه ، فلا يخرج المكلف عن عهدة التكليف به بمجرد إيجاد أفعاله في الخارج كيفما اتفق كالطهارة الخبثية ، بل لا بد في سقوط الأمر به من إتيانه بقصد امتثال امره ، كما هو الشأن في جميع العبادات بالمعنى الأخص ويدل على وجوب النية فيه وكونه من العبادات الإجماع محصلا ومنقولا بل ضرورة المذهب ، وما حكي عن الإسكافي من الاستحباب محمول على الصورة المخطورة أو شاذ مطروح ، وهذا الدليل هو العمدة .
ويمكن الاستدلال له أيضا بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال عليه السلام « انما الوضوء حد من حدود اللَّه تعالى ليعلم اللَّه من يطيعه ومن يعصيه ، وان المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن » وجه الدلالة ظهورها في أن المقصود به الإطاعة ، وهي لا تحصل بدون القصد المزبور واما الاستدلال عليه بقوله تعالى * ( « وما أُمِرُوا » ) * - إلخ ، وقوله ( ص ) « وانما الأعمال بالنيات » وقوله ( ص ) « ولا عمل إلا بالنية » فغير تام ، لأن الآية الشريفة ظاهرة في التوحيد والإخلاص ونفي الشرك بقرينة السياق وتفسير المفسرين ، مضافا إلى أنه يلزم تخصيص الأكثر المستهجن في الآية والروايات ، ولما كانت الأدلة التي استدلوا بها على كون الأصل في الأوامر هو التعبدية ضعيفة اخترنا في الأصول ان الأصل فيها هو التوصلية .
ولما كان الوضوء عبادة وهي لا تتحقق الا بقصد الامتثال وأمر المولى فقال الماتن قده « مع كون الداعي أمر اللَّه تعالى » يعني أمر المولى هو الموجب لاختيار المكلف لترجيح أحد طرفي الفعل على الآخر ، ولما كان مجرد كون الفعل مأمورا به لا يوجب رجحانه في نظر العبد ذاتا وانما المرجح في نظره بعض عناوين أخر تعرض الماتن « قده » لتلك العناوين .
مدارك العروة — صفحة 138
مساهمون: الشيخ يوسف الخراساني الحائري
ص١٣٨