وعلى أيّة حال ، فالترخيص في جانب غير الأهمّ في ما نحن فيه إنّما يبطله دليل خاصّ وارد في المقام ، وهو ما مضت الإشارة إليه من الأخبار المتفرّقة الواردة في موارد مختلفة في الشبهة المحصورة ، كما ورد من لزوم الاجتناب من الأغنام التي نعلم بكون بعضها موطوءا ، أو الأمر بإراقة الماءين اللذين علمنا بنجاسة أحدهما ، فما تمّ سندا من هذه الأخبار يدلّ على تساقط الأصلين ، وعدم جريان الأصل ولو في أحدهما ، فهذه الأخبار تشمل فرض أهمّيّة أحد الطرفين ، فإنّه وإن لم تكن في موردها أهمّيّة في أحد الطرفين من حيث المحتمل ، لكنّها بإطلاقها تشمل فرض الأهمّيّة من حيث الاحتمال ، فيشكل بذلك إجراء الأصل الواحد عند عدم الابتلاء بالمعارض من باب أهمّيّة الجانب الآخر .
نعم ، فرض عدم الابتلاء بالمعارض من باب جريان أصل مثبت للتكليف في أحد الطرفين حاكم على هذا الأصل ، أو من باب كونه في نفسه خارجا عن مورد الأصل غير مشمول لإطلاق هذه الأخبار .
شرح
- الموضوع ، والثاني أخصّ من الأوّل ، أو أعمّ من وجه بلحاظ المحمول ، فالجمع العرفيّ يقدّم فيه جانب الموضوع على جانب المحمول على ما ذكر في علم الأصول .
ولو لم نقبل بهذا الكلام ، قلنا : تنقّح أيضا في علم الأصول : أنّه متى ما وقع التعارض بين دليلين بالعموم من وجه ، وكان أحدهما آبيا عن التخصيص بالآخر عرفا ، بخلاف العكس ، عوملت معهما معاملة العموم المطلق . وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ تخصيص دليل التقليد ، بإخراج الفتاوى التي انبنت على خلافها الأحكام الولائيّة للوليّ أمر معقول ، ولكن تخصيص دليل الولاية بإخراج تلك الأحكام ليس عرفيّا ، فإنّنا إن قبلنا أنّ التفكيك بين منصب الولاية ، ومنصب التقليد في الفتاوى غير المبتنية عليها الأحكام الولائيّة أمر عرفيّ ، فمن الواضح جدّاً أنّ التفكيك بين الأحكام الولائيّة بلحاظ معارضة بعضها لفتاوى غيره ليس عرفيّا ، ويعتبر شلا لمنصب الولاية ، كما أنّه ليس من المعقول بقاء تلك الأحكام الولائيّة على حجّيّتها مع بقاء فتاوى غيره المخالفة لما انبنت عليه تلك الأحكام على الحجّيّة أيضا ، فإنّهما متضادّان ولا يمكن حجّيّتهما معا .
وبهذا البيان يتّضح : أنّنا حتى لو قلنا بنصب كلّ الفقهاء الكفوئين وليّا من قبل الإمام عليه السلام ، فالذي يمارس الولاية بالفعل هو الَّذي يتّبع في أحكامه الولائيّة ، حتى لو كانت تلك الأحكام على خلاف فتاوى من يقلَّده المكلَّف من فقيه آخر كفؤ .