تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
شرح
- استطرادا ، فنقول : إذا تعارض فتوى الأعلم مع فتوى غير الأعلم فقد يقال : إنّ الثاني متيقّن السقوط ، والأوّل مشكوك السقوط ، فنتمسّك بإطلاق الدليل لإثبات حجّيّته ، وكذلك البناء العقلائيّ ثابت على حجّيّته ، وتيقّن فتوى غير الأعلم للسقوط إن كان واضحا لدى العرف - ولو بنكتة : أنّ العلم مأخوذ في لسان دليل حجّيّة الفتوى - يبقى ظهور الدليل في حجّيّة فتوى الأعلم محفوظا ، وإن لم يكن واضحا لدى العرف ، ولكنّه كان واضحا لدى العقل ، إذن يتمسّك بإطلاق الدليل لعنوان الفرد الثاني ، بعد العلم بسقوط أحد الفردين إجمالا ، لعدم إمكان حجّيّتهما معا ، ثمّ يعيّن أحد الفردين الساقط في فتوى غير الأعلم بحكم العقل ، فتثبت حجّيّة فتوى الأعلم . إلَّا أنّ الصحيح : أنّ تزاحم ما يفهمه العرف من ملاكي الحجّيّة في الفتويين لا يبقى مجالا للظهور ، لا في حجّيّة فتوى الأعلم ، ولا في عنوان الثاني ، إلَّا إذا كان الفاضل بين الملاكين كبيرا ، أي ما يكون بقدر الملاك الكامل في نظر العرف . وقد يقال : إنّ البناء العقلائيّ من باب الرجوع إلى أهل الخبرة قائم على أساس ترجيح فتوى الأعلم ولو كانت الأعلميّة بدرجة ضئيلة ، وهذا البناء والارتكاز يؤثّر على ظهور الأدلَّة اللفظيّة ، فتحمل أدلَّة التقليد اللفظيّة على الطريقة العقلائيّة في التقليد ، فينحفظ لها ظهور في حجّيّة فتوى الأعلم لدى التعارض ، ولو كانت الأعلميّة بدرجة قليلة ، ولو لم نقبل تأثير هذا البناء والارتكاز على ظهورات الأدلَّة اللفظيّة ، كفانا القول بأنّه بعد سقوط الإطلاقات اللفظيّة يبقى لنا البناء العقلائيّ دليلا تامّا على حجّيّة فتوى الأعلم بعد ثبوت الإمضاء بعدم الردع . وقد يفرض أنّ الفتويين المتعارضين أحدهما راجع إلى الأعلم غير الكفوء للقيادة ، والآخر راجع إلى الكفوء غير الأعلم ، فأيّهما يقدّم ؟ والكفاءة وإن كانت دخيلة في الأعلميّة ، فإنّ نظرة الكفوء إلى مفاد الأدلَّة تختلف كثيرا عن نظرة غير الكفوء في شتّى الأبواب ، من قبيل فهم معنى أدلَّة التقيّة ، وأدلَّة الجهاد ، وأدلَّة حرمة الرّبا في أنّها هل تحرم الحيل التي تؤدّي إلى نتيجة الفوائد الربويّة أو لا ، وأدلَّة الولايات ، وغير ذلك من الأمور ، ولكن مع ذلك قد يتصوّر فرض كون غير الكفوء أعلم ، لأنّ الملاكات الدخيلة في الأعلميّة عديدة ، أحدها الكفاءة ، فقد يكون غير الكفوء أعلم بلحاظ قوّته في بعض الملاكات الأخرى ، كحدّة الذكاء مثلا بمستوى يغلب على مقدار تأثير الكفاءة في الأعلميّة .