التقدّم بالمبيّنيّة والمفسّريّة .
كما أنّه ظهر بما ذكرناه : أنّ نكتة تقديم الحاكم هي بنفسها نكتة تقديم المخصّص فيما إذا كان المخصّص قرينة ، غاية الأمر أنّ المفسّرية : تارة تكون ذاتيّة للمفسّر ، وأخرى تكون موقوفة على اتّصاله بالمفسّر ، فمفسّريّة الحاكم للمحكوم ذاتيّة له ، ولذا تكون محفوظة عند الانفصال ، ومفسّريّة المخصّص للعامّ مشروطة بالاتّصال ، إذ معه ينتزع منه عرفا عنوان المفسّرية دون الانفصال .
هذا تمام الكلام في أصل قانون الحكومة .
وأمّا الكلام في تطبيقها على المقام فنقول : إنّ القاعدة حاكمة على الأدلَّة الأوليّة بملاك المفسّريّة والمبيّنيّة التي مرجعها بحسب الروح إلى النّظر ، فإنّ الناظر يعتبر بالنظر العرفي مفسّرا ومبيّنا للمنظور إليه .
وتقريب كون قاعدة ( لا ضرر ) ناظرة يحتاج إلى مزيد بيان ، لأنّه في النظرة الأولى قد يشكَّك في ذلك ويقال : إنّ النّظر إنّما يكون في النفي التركيبي بأن يقول مثلا : الأحكام التي جعلتها ( أو اجعلها ) لا تكون ضرريّة ، فهذا من الواضح أنّه ناظر إلى الأحكام الأوليّة ، وأنّه فرضها مفروغا عنها ، وقال عنها : إنّها لا تكون ضرريّة ، وأمّا إذا كان النفي بسيطا كأن يقول : ( لا تصدر منّي أحكام ضرريّة ) . فهذا ليس له نظر إلى الأحكام الأوليّة ، ولم يفرض فيها الفراغ عنها والنّظر إليها ، وعليه فنحتاج في مقام إثبات نظريّة القاعدة وحاكميّتها إلى إثبات إفادتها للنفي التركيبي ، والنفي التركيبي واضح في قوله : ما جعل عليكم في الدين من حرج بقرينة كلمة ( في الدين ) يعني أنّ الدين وهو وجوب الوضوء أو الغسل أو الصوم بعد فرض وجوده ليس فيه حرج ، وكذلك قاعدة ( لا ضرر ) تكون ظاهرة في النفي التركيبي لو ثبتت كلمة ( في الإسلام ) لكنّها لم تثبت ، فقد يشكَّك في بادئ الأمر في الحكومة ويقال : بأنّ أمر القاعدة دائر بين النفي التركيبي والنفي البسيط ، ومع فرض النفي البسيط يصير مرجعها إلى أنّه لم تصدر منّي أحكام ضرريّة ، وهذا لا يفرض في المرتبة السابقة الفراغ عن وجود وجوب الوضوء أو الغسل ، ليكون له نظر إلى تلك الأحكام .
ويمكن أن تبيّن هنا نكتة الحكومة بأحد تقريبات ثلاثة :
التقريب الأوّل : أن نضمّ إلى هذا النفي ارتكاز الشريعة ، فلو لا ارتكازها كان يبقى أمر النفي مردّدا بين أن يكون تركيبيّا أو بسيطا ، ولكن ارتكازيّة أنّ المتكلَّم له شريعة وأحكام تعوّض عن كلمة ( في الإسلام ) ، فكأنّه قال : لا ضرر من ناحية الشريعة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 626
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢٦