أيضا - ليس بيانا فنيّا فإنّه :
أوّلا : أنّ هذا يوجب حكومة الدليل الثاني ، وهو دليل نفي الحرج مثلا على دليل حجيّة الإطلاق ، لا على الدليل الأوّل وهو دليل وجوب الوضوء مثلا ، ولو التزم بالحكومة بهذا المعنى فهو ثابت في كلّ مخصّص ، فإنّ كلّ مخصّص قد أخذ عدمه في موضوع أصالة العموم في العامّ ، فلو كان هذا ملاك الحكومة في هذا القسم لم يبق فرق بين هذه الحكومة وبين التخصيص .
وثانيا : أنّه يمكننا أن نعكس المطلب - بغض النّظر عن مسألة الأظهريّة والقرينيّة - ونقول : إنّه كما أخذ في موضوع أصالة الإطلاق الشكّ في المراد ، كذلك أخذ في موضوع أصالة الظهور في الدليل الحاكم الشكّ في المراد ، فليكن كلّ منهما موجبا لإلغاء موضوع الآخر .
فلا بدّ من استئناف بحث آخر في المسألة ، لأجل توضيح ضابط الحكومة .
وإجمال التحقيق في باب الحكومة هو :
أنّ الحكومة تارة تكون لدليل على دليل آخر بلحاظ المرحلة اللغويّة ، وأخرى تكون بلحاظ المرحلة التشريعيّة ، والنحو الأوّل مجرّد فرض غير واقع في واقع التشريع ، والمتعارف هو النحو الثاني .
أمّا النحو الأوّل : فتوضيحه : أنّه قد يكون للمتكلَّم نظر في تشخيص مصاديق الموضوع الَّذي يحكم عليه بحكم ، ولا أقصد بذلك النّظر الأخباري كأن يخبر اشتباها مثلا بأنّ زيدا خارج عن موضوع الحكم الَّذي هو العالم مثلا ، فإنّ هذا النّظر لا أثر له في المقام ، وإنّما أقصد بذلك النّظر الإنشائيّ سنخ الادّعاء السكَّاكي ، فإنّ المتكلَّم إذا كان له نظر إنشائي في كلامه في تشخيص موضوعه سعة أو ضيقا فهذا النّظر لا بدّ من اتّباعه ، فإنّه في الحقيقة يتدخّل في المدلول الاستعمالي للكلام ، وهذا النّظر الإنشائيّ يفهم بقرينة تدلّ عليه : وهي إمّا قرينة عامّة : وذلك كما في الارتكازات العرفيّة العامّة التي تكشف عن أنظار إنشائيّة عرفيّة عامّة ، فتكون تلك قرينة على النّظر الإنشائيّ لهذا المتكلَّم ، لأنّه فرد من العرف وابن العرف ، فمن باب أصالة عرفيّته واتباعه للعرف في الارتكازات وباب الألفاظ والمعاني يحمل كلامه على هذا النّظر الإنشائيّ . وإمّا قرينة خاصّة : وهي عبارة عن تصريحه بهذا النّظر الإنشائيّ ، بأن يقول مثلا : » لا ربا بين الوالد وولده « بناء على حمله على بيان نظره الإنشائيّ في باب الرّبا ، وهذه القرينة الخاصّة هي الحاكم ، وفي الحقيقة لا معارضة ولا منافاة بينه وبين
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 624
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢٤