تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
دليل المحكوم أصلا ، فإنّ دليل المحكوم - عند فرض وجود نظر إنشائي للمتكلَّم في موضوعه - يدلّ في الحقيقة على قضية شرطيّة : وهي أنّ الشيء إن كان ربا بنظري الإنشائيّ فهو حرام ، والدليل الحاكم يدلّ حقيقة على انتفاء الشرط ، ويصبح الدليل الَّذي يكون من هذا القبيل حاكما على كلّ أدلَّة أحكام ذلك الموضوع وهو الرّبا مثلا ، لأنّه قد كشف لنا عن نظر إنشائي خاصّ لهذا المتكلَّم في تعيين مصاديق هذا الموضوع ، وهذا يعني تعيين المدلول الاستعمالي لهذه الكلمة : وهي كلمة ( الرّبا ) مثلا في لسان هذا الشخص ، فكلَّما لا يكون ربا بهذا المعنى لا يترتّب عليه أيّ حكم من أحكامه ، لأنّه خارج عن المدلول الاستعمالي في كلّ كلمات هذا الشخص المرتّبة لأحكام على هذا الموضوع . إلَّا أنّ هذا القسم من الحكومة مجرّد فرض في واقع الشريعة ، وحمل الأدلَّة الموسّعة للموضوع ، أو المضيّقة له الواردة في لسان الشارع على هذا المعنى خلاف الظاهر ، فإنّ ظاهرها هو صدورها من المولى بما هو مولى وبما هو شارع ، لا بما هو مستعمل ومتصرّف في المداليل اللغويّة والاستعماليّة ، فالظاهر من قوله مثلا ( لا ربا ) هو نفي الرّبا من حيث أنّ الرّبا حرام ، لا من حيث عالم الاستعمال . وأمّا النحو الثاني : فهو ما لو كان النّظر إلى مرحلة المولويّة والتشريع لا مرحلة الاستعمال ، فيكون قد انعقد الإطلاق في الدليل المحكوم في نفسه ، ويكون الدليل الحاكم منافيا له ولو كان بلسان التصرّف في عقد الوضع ، وفي الحقيقة يكون الدليل الحاكم بهذا النحو دائما متصرّفا في عقد الحمل ، وإنّما يختلف التعبير فتارة يعبّر بمثل ( لا حرج ) ، وأخرى يعبّر بمثل ( لا ربا ) ، وكلاهما ينافي الأدلَّة الأوليّة ، ولكنّهما يقدّمان عليها تطبيقا لقانون تقديم القرينة على ذي القرينة ، وبما إنّ قرينيّة بعض الجمل تكون بظهور لفظي في نفس تلك الجملة لا بظهور سياقي يستفاد من سياق مجموع القرينة وذي القرينة ، فلذا تكون القرينيّة محفوظة حتّى لدى الانفصال ، وعند الانفصال لا ينهدم ظهور الدليل الأوّل ، ولكن تنهدم حجيّته ، لأنّ مدرك الحجيّة هو السيرة العقلائيّة ، وهي غير ثابتة على حجيّة ذي القرينة مع صدور القرينة ولو منفصلة . وقد تحصّل بما ذكرناه : أنّ معنى التقدّم بالحكومة ليس هو رفع الموضوع للدليل المحكوم ، كما هو مصطلح مدرسة المحقّق النائيني رحمه اللَّه ، ولذا اضطرّوا إلى تأويل الحاكم بلحاظ عقد الحمل بأنّه يرفع موضوع دليل أصالة الإطلاق ، وإنّما معناه