التمسّك بقرينة ارتكازيّة الشريعة أو امتنانيّة القاعدة ، وهذا عبارة عن التقريب الأوّل والثاني .
هذا تمام الكلام في وجه تقدّم القاعدة على أدلَّة الأحكام الأوليّة .
الإضرار بالتصرّف في الملك
الأمر الرابع : في تصرّفات المالك فيما يملك إذا كانت ضرريّة بالنسبة إلى شخص آخر ، من قبيل أن يحفر بالوعة في داره فيتضرّر بذلك بئر جيرانه أو جداره ، فهل تبقى سلطنة المالك على حفر البالوعة ثابتة ، أو لا ؟ والكلام في ذلك تارة يقع بلحاظ القواعد الأوّليّة ، أي : بغضّ النّظر عن قاعدة ( لا ضرر ) ، وأخرى بلحاظ قاعدة ( لا ضرر ) .
أمّا الكلام بلحاظ القواعد الأوّليّة : فقد يتصوّر أنّ إطلاق دليل سلطنة الناس على أموالهم يحكم في المقام بأنّ من حقّ المالك حفر البالوعة في بيته وإن أضرّ بالجار ، ولكن هذا غير صحيح لما يلي :
أوّلا : لأنّ قاعدة السلطنة ليس لها دليل لفظي معتبر يتمسّك بإطلاقه ، وإنّما هي قاعدة متصيّدة من الموارد المختلفة زائدا على الإجماع والارتكاز والسيرة ، فيلتزم بها بمقدار قابليّة هذه المصادر لها لا أوسع من ذلك ، ومن المحتمل أن لا تكون السلطنة ثابتة على ماله على الحصة الملازمة للإضرار بشخص آخر ، ويكون ذلك خارجا عن القدر المتيقّن لهذا الدليل اللبّي الناشئ من هذه المصادر ، وحديث ( الناس مسلَّطون على أموالهم ) ليس معتبرا سندا .
ثانيا : لأنّنا لو سلَّمنا هذا الحديث وفرضناه دليلا لفظيّا له إطلاق في نفسه لم يصحّ - أيضا - التمسّك بإطلاقه في المقام ، فإنّنا إمّا أن نفهم من حديث السلطنة أنّها سلطنة في مقابل قانون الحجر المجعول على السفيه ونحوه ، فيدلّ على أنّ الأصل الأوّلي في الإنسان هو أن يكون غير محجور عليه ، ويكون هو بنفسه الَّذي يمارس الصلاحيات المشروعة ، وكلّ من خرج بدليل خاصّ عن ذلك يكون محجورا عليه ، ويكون وليّه هو الَّذي يمارس الصلاحيات المشروعة ، وعليه فنفس هذه القاعدة لا تشرّع تلك التصرّفات المشروعة ولا تعيّنها ، فكلَّما شكّ في جواز تصرّف تكليفا أو وضعا لا يمكن إثبات جوازه بالقاعدة .
وإمّا أن نفهم من الحديث أنّه في مقام إعطاء السلطنة على ماله بمعنى تجويز