التصرّفات التي يريدها ، لا أنّ جوازها في نفسه مفروغ عنه في المرتبة السابقة ، ويكون الحديث في مقام نفي المانع وهو أسباب الحجر ، فعندئذ نقول - أيضا - : إنّه لا يمكن الاستدلال بإطلاق الحديث في المقام ، لأنّ المتفاهم منه عرفا أنّه في مقام بيان أنّ المال ليست له عصمة في مقابل إرادة المالك كما له عصمة في مقابل الآخرين ، فإذا احتملنا ضيقا في دائرة سلطنة المالك من باب أنّ المال له عصمة في مقابله فذلك ينفي بالقاعدة ، ولكن إذا احتملنا ضيقا في دائرة السلطنة لا بلحاظ المال ، بل باعتبار كونه مؤدّيا إلى الإضرار بالغير فهذا الاحتمال لا يرفع بالقاعدة ، فإنّ غاية ما يستفاد منها أنّه من ناحية المال وكونه محترما لا مانع أن يتصرّف فيه المالك . هذا . وللمحقّق العراقي رحمه اللَّه وجه آخر غير ما ذكرناه من الوجهين في مقام إثبات عدم إمكان الرجوع في المقام إلى قاعدة السلطنة ، وحاصله : إيقاع المعارضة بين إطلاق القاعدة لسلطنة المالك على حفر البالوعة في داره ، وإطلاقها لسلطنة الجار على المحافظة على جداره وبئره ، ولا يعقل جعلهما معا ، لأنّ كلَّا من السلطنتين تلازم منع الآخر من سلطنته ( 1 ) . ويرد عليه : أنّه لو سلَّم إطلاق القاعدة في نفسها لسلطنة صاحب البيت على تمام أنحاء التصرّف في بيته بما فيها حفر البالوعة ، فذلك لا يعارض بإطلاقها لمحافظة الجار على جداره أو بئره ، فإنّ المفهوم من كلمة ( على ) أنّ القاعدة إنّما تنظر إلى السلطنة بلحاظ التصرّفات التي تمثّل جانب القهر والغلبة على المال ، فله البيع والصلح والهدم واستيفاء المنافع ونحو ذلك ، لا جعل الولاية له على كلّ ما له مساس بالمال وإضافة إليه ، ولو كان عبارة عن منع الجار عن حفر البالوعة مثلا في ملكه من باب أنّ هذا محافظة على ماله فله نحو إضافة إليه ، ولكن ليس مصداقا للقهر والغلبة على المال . وعلى أيّ حال ، فقد عرفت أنّ قاعدة السلطنة لا أثر لها في المقام . وبعد هذا قد يقال : إنّ المرجع هو الأصل ، فنجري أصالة جواز حفر البالوعة ، فينتج الأصل النتيجة التي كان يرام تحصيلها من قاعدة السلطنة . إلَّا أنّ الصحيح أنّه لا بدّ من الرجوع إلى مدارك قاعدة السلطنة ، ولا يبعد أن يقال : إنّ السيرة العقلائيّة تقتضي بحسب الارتكاز التفصيل بين ما لو كان المالك لا يتضرّر بترك حفر البالوعة ، أو يتضرّر ضررا يكون مندكَّا عرفا في مقابل ضرر الجار ، من
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 629
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢٩
هامش
( 1 ) راجع المقالات : ج 2 ، ص 120 . .