الأمر كذلك في باب التلف السماوي .
التعليق الثالث : أنّ كلا الكلامين كما ترى ليس في الحقيقة إشكالا على أصل التعميم ، فلو قلنا بالتعميم ولم نقل بكون الضمان نفيا للضرر ، والتزمنا بأنّ الضمان تدارك للضرر ، وبأنّ ( لا ضرر ) لا يثبت التدارك ، وإنّما هو نفي للحكم الضرري ، أو عدم الحكم الضرري ، ومثّلنا لهذا التعميم بمسألة عدم حرمة الإضرار بالغير المنفي ب ( لا ضرر ) ، فأيّ ربط لهذا الكلام بالإشكالين الماضيين ؟ فهذا خلط - كما قلنا - بين التعميم وما فرّع عليه في كلام المعمّم .
وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه : أنّ ( لا ضرر ) يشمل الأعدام الضرريّة أيضا ، وقد طبّق الإمام عليه السلام ذلك على العدم الضرري للحكم الضرري في حديث الشفعة ، ومنع فضل الماء ، ليمنع فضل الكلاء - إن كان الحديثان صادقين - فإنّ عدم الشفعة وجواز المنع عدمان ضرريّان ، وليسا حكما وجوديّا ضرريّا ، وأمّا نفس حديث سمرة فإن قلنا : إنّ ( لا ضرار ) هو الَّذي يطبّق فيه على مورده فهذا التطبيق خارج عمّا نحن فيه فعلا من قضية ( لا ضرر ) ، وإن فرض أنّه يطبّق عليه ( لا ضرر ) قلنا أيّ حكم وجودي طبّق عليه ( لا ضرر ) ؟ هل هو ثبوت حقّ ذات الدخول مع عدم الاستئذان ، أو ثبوت حقّ الدخول المقيّد بعدم الاستئذان الراجع إلى حقّ عدم الاستئذان ؟ أمّا الأوّل : فحقّ ذات الدخول ليس ضرريّا .
وأمّا الثاني : فلا معنى لتعلَّق الحقّ بعدم الاستئذان ، وإنّما الَّذي قد يكون محقوقا ومملوكا في نظر العقلاء هو ذات الدخول لحفظ العذق ، وأمّا الدخول بقيد عدم الاستئذان فيتعلَّق به الجواز بمعنى عدم الحرمة وعدم وجوب الاستئذان ، وهذا أمر عدميّ ضرريّ رفع ب ( لا ضرر ) .
ثمّ إنّ المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه ذكر : أنّه لا يمكن استفادة الضمان في موارد الضمان من ( لا ضرر ) ، لأنّ ( لا ضرر ) ينظر إلى الأحكام الثابتة في الشريعة ويحكم عليها ، فهو لا يرفع حكما برأسه ، وإنّما يرفع إطلاق الحكم ، فالحكم الَّذي يكون من أصله ضرريّا ، كالحكم بعدم الضمان على من أتلف مال غيره سهوا مثلا الَّذي هو ضرر على المتلف منه لا يرتفع ب ( لا ضرر ) ، لأنّ هذا الحكم بنفسه ضرريّ ، وليس من قبيل وجوب الوضوء الَّذي لا يكون بنفسه ضرريّا ، وقد تتّفق صيرورته ضرريّا ، فيرفع
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 599
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٩٩