شرح
- من كلمة ( لا ضرر ) غير ما يستفاد من كلمة ( لا ضرر ) تتوقّف على الاعتراف بأنّه أخذ في حاقّ مفاد ( الضرار ) معنى الحرمة ، وذلك لأنّه لو لم يكن قد أخذ في حاقّ مفاده الحرمة فالضرار على أيّ حال نوع من الضرر ، فنفي الضرر في قوله ( لا ضرر ) نفي له ، ولا يبقى للإضرار مفاد جديد .
وهذا بخلاف ما إذا كانت الحرمة مأخوذة في مفاده ، فعندئذ يقال : إنّ ( لا ضرر ) نفي لذات الضرر ، وهو نفي للحكم المنتهي إلى ذات الضرر ، وإذا كان ذاك الحكم هو الجواز فلا ضرر يدلّ على حرمة الضرر .
أمّا ( لا ضرار ) فبما أنّه قد أخذ في مفاد كلمة ( الضرار ) الحرمة فليس نفيه نفيا للحكم المؤدّي إلى الضرار وهو الجواز مثلا ، لأنّ المفروض مسبقا أنّ مرتكبه مقدم على الحرام ، فنفي الجواز لا ينتهي إلى نفي الضرار ، إذن فالكلام محمول على قلع السبب الَّذي به يتذرّع المضارّ في ضراره ، وإن كان ذاك السبب لم يسوّغ له الضرر ، وهو في قصّة سمرة عبارة عن وجود الشجرة في بيت الأنصاري أو حقّه في وجودها هناك .
وهذا البيان كما ترى يباين البيان الَّذي سبق منه رحمه اللَّه لدى البحث عن مفردات الحديث حيث ذكر : أنّ الضرار عبارة عن الضرر مع أخذ شيء من التأكَّد والتعمّق فيه ، وهذا التأكَّد والتعمّق قد يكون بلحاظ الجانب الخارجي للضرر وهو عبارة عن شدّة الضرر أو طوله ونحو ذلك ، وقد يكون بلحاظ الجانب النفسيّ من الضرر ، وهو عبارة عن تعمّده وتصيّده والتفنّن فيه ونحو ذلك من التعابير ، وبما أنّ إرادة الأوّل تؤدّي في المقام إلى كون ( لا ضرار ) تكرارا لما يستفاد من ( لا ضرر ) فيتعيّن كون المقصود هو الثاني ، أعني تصيّد الضرر والتفنّن فيه .
أقول : إذا أخذ التصيّد والتفنّن في مفاد الضرار فقد يقال : إنّه حتّى لو لم تؤخذ الحرمة في مفاده يكون ( لا ضرار ) معطيا لمعنى جديد غير مستبطن في ( لا ضرر ) ، لأنّ ( لا ضرر ) إنّما ينفى الحكم الَّذي ينتهي إلى الضرر ، وأمّا ( لا ضرار ) فبنكتة أخذ التصيّد ، والتفنّن في مفاد كلمة ( الضرار ) ينصرف إلى نفي الحكم الَّذي تصيّد المضارّ منه الضرر وتفنّن فيه للوصول إلى ذلك ، وهذا الحكم تارة يكون عبارة عن نفس الجواز ، كجواز الدخول على الأنصاري بلا استئذان ، فهو منفي ب ( لا ضرار ) كما هو منفي ب ( لا ضرر ) ، وأخرى يكون عبارة عن حقّ سمرة لبقاء الشجرة هناك ب ( ضرر ) ، وهذا إنّما يكون سببا لتصيّد الضرر منه بعد قراره لمخالفة الحكم الأوّل ، وهو نفى الجواز الَّذي استفيد من ( لا ضرر ) و ( لا ضرار ) ، وهذا - أيضا - يصبح منفيا ب ( لا ضرر ) ، لأنّه وإن لم يكن حكما ضرريّا في نفسه ، لكنّه حكم يتصيّد منه الضرر .
وعلى أيّ حال ، فالظاهر أنّ الضرار معناه تعمّد الإضرار ، بمعنى أن يكون هدف الشخص ممّا يفعله هو الإضرار ، كما يستفاد ذلك من بعض الروايات من قبيل :
1 - ما ورد بسند تامّ عن الحلبيّ ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه سئل عن رجلين كان بينهما