النكتة الأولى : أنّه إذا فرض أنّ فردا من أفراد الضرر اليوم لم يكن موجودا في عصر الشارع ، لكنّه كان واجدا لنكتة أحد الحقوق العقلائيّة آنئذ ، أي : أنّ العرف والعقلاء في ذلك الوقت وإن لم يلتفتوا إلى هذا الفرد لعدم وجوده ، لكنّهم كانوا يرون المفهوم بنحو يشمل هذا الفرد ، فلو عرض عليهم هذا الفرد والتفتوا إليه لحكموا بثبوت الحقّ العقلائي فيه ، وكون مخالفته ضررا ، فدليل ( لا ضرر ) شامل لمثل ذلك ، فإذا سلَّم أنّ حقّ الطبع الثابت في زماننا هذا للمؤلف مثلا مشمول لنكتة المالكيّة بالحيازة الثابتة - وقتئذ - ثبت هذا الحقّ بقاعدة ( لا ضرر ) ، فالعبرة إنّما هي بسعة دائرة النكتة العقلائيّة للحقّ ، والضرر في ذلك الزمان وضيقها ، لا بما هو المصداق الفعلي لذلك وقتئذ .
النكتة الثانية : أنّه عند الشكّ في ذلك ، وأنّ الحقّ الكذائي كان ثابتا في عصر الشارع أو لا لا نحتاج إلى إثبات شواهد تاريخيّة مثلا على الثبوت في ذلك العصر - وهذا ما يتعذّر ويتعسّر غالبا - بل يكفي إجراء أصالة الثبات في اللغة ، لما عرفت من أنّ الارتكاز العرفي المعاصر يعطي ظهورا للفظ على أساس الإطلاق اللفظي أو المقامي .
وبما ذكرناه تنحلّ عقدة نفسيّة في الفقه الشيعي ابتلي بها الفقه السنّي قبل الفقه الشيعي فحلَّها بالمصالح المرسلة ونحو ذلك ، ثمّ ابتلي بها الفقه الشيعي ، توضيح ذلك : أنّ العامّة حيث انتهى عصر النصوص عندهم بموت النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وقعوا في حيرة من ناحية المسائل المستجدّة وتطوّر الزمن ، وأراحوا أنفسهم بفتح باب مثل المصالح المرسلة . والشيعة كانت تؤمن بأنّ النصّ الوارد عن الإمام عليه السلام كالنصّ الوارد عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله فلم يبتلوا بذلك في زمان الأئمة عليهم السّلام ، ولكنّهم ابتلوا في عصر ما بعد الأئمة عليهم السّلام ، وأخيرا توصّلوا إلى ما هو في الحقيقة إشباع لهذا النقص الفعلي ، وهو التمسّك بالسيرة العقلائيّة ، وتعارف الاستدلال بها أخيرا في زماننا حتّى أنّه قيل : إنّها دليل خامس من أدلَّة الأحكام الشرعيّة . وقد مضى منّا بحث مفصّل عن السيرة العقلائيّة ، وبيّنا أنّها إنّما تفيد لو ثبتت معاصرتها لزمان المعصوم عليه السّلام ، وذكرنا ضوابط لإثبات المعاصرة ، لكنّها لا تشمل عدا مقدار قليل من السير العقلائيّة . ونقول هنا : إنّ هذه التطوّرات الزمنيّة إنّما تؤثّر غالبا في الأمور المعامليّة والقوانين الاجتماعيّة ، فإنّها هي التي تتطوّر بمرور الزمن ، ويمكن حلّ المشكلة فيها بإبداء احتمال أنّها وإن لم تكن موجودة في زمن الشارع بمصداقها ، لكنّها لعلَّها كانت موجودة بنكتتها ، وأنّ هذه
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 584
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٨٤