وتخيّل الناس أنّ زيدا عالم مع أنّه كان جاهلا ، ففي مثل ذلك لا إشكال في أنّ العنوان المأخوذ في كلام الشارع لا يشمله ، فإن عدّ الناس ذلك من أفراد هذا العنوان إنّما هو من باب الإخبار ، والمفروض أنّ إخبارهم كاذب في المقام .
الثاني : أن يكون ارتكاز فرديّته للعنوان من باب الإنشاء لا من باب الإخبار ، أي :
أنّ العرف يوجد فردا لذلك العنوان ، وهذا الإيجاد وإن كان قد يفرض اختصاصه بعرف خاصّ ، لكن النتيجة وهي فرديّة ذلك الشيء للعنوان تثبت ثبوتا حقيقيّا مطلقا لا ثبوتا نسبيّا ، وذلك كما في مفهوم التعظيم ، فإنّ له فردا حقيقيّا كامتثال الأمر ، وفردا عرفيّا يثبت بالارتكاز كالقيام في عرفنا ، وبعد أن جعل عرف مّا القيام تعظيما يصبح ذلك تعظيما حقيقة ، وحتّى من لم يوافق هذا العرف يعترف - أيضا - حينما يرى شخصا من أهل هذا العرف قام لشخص آخر بأنّه عظَّمه ، فإنّ التعظيم ليس إلَّا إظهار ما يدلّ على عظمة هذا الشخص في نفس المعظَّم ، وقد جعل القيام دالَّا على ذلك من قبيل جعل لفظ دالَّا على معنى . وفي مثل هذا لا إشكال في أنّ العنوان المأخوذ في لسان الشارع يشمل هذا الفرد ، ولو فرض تجدّده في زمان متأخّر عن زمانه ، فإنّه فرد حقيقي مطلق ، وهو تماما من قبيل ما إذا حكم المولى بالمطهّريّة مثلا على الماء ثمّ وجد فرد من الماء بعد زمان الشارع بأسباب طبيعية أو بالعلاج .
الثالث : أن تكون فرديّته للعنوان بالإنشاء ، وتكون النتيجة - أيضا - ضيّقة ونسبيّة ، كما يكون أصل الإنشاء مختصّا بعرف دون عرف ، ومعنى ذلك : أنّ الفرد الَّذي أوجد بهذا الإنشاء فرد في منظار هذا الإنشاء لا مطلقا ، ومثال ذلك هو النقص والضرر ، فله مصاديق حقيقيّة كقطع اليد ، وله مصاديق ارتكازيّة ، كما في مثل نقص المال المملوك لزيد ، فإذا فرض في عرف من الأعراف أنّ هذا المال ملك لزيد ثمّ أخذ منه ، فالخارج عن هذا العرف - أيضا - يحكم بتضرّر زيد في هذا العرف ، لكن ليس هذا حكما مطلقا بالضرر ، بل يقال من قبل أهل هذا العرف ، ومن قبل غيرهم : إنّ زيدا طرأ في حقّه الضرر والنقص بمنظار كون هذا المال ملكا له ، ولم يطرأ عليه أيّ نقص وضرر بمنظار آخر لا يرى هذا المال ملكا له .
والصحيح : أنّ العنوان المأخوذ في كلام الشارع في مثل هذا المورد يشمل الأفراد العرفيّة في عصره ، ولا يشمل الأفراد المستجدّة في الأعصر المتأخّرة .
أمّا شموله للأفراد العرفيّة في عصره ، فلأنّ الشارع رجل عرفي يخاطب العرف ، فيكون كلامه ظاهرا في المعنى العرفي وبالمنظار العرفي ، فيتمّ الإطلاق
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 582
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٨٢