والأصحاب بعد الغفلة عمّا ذكرناه ابتلوا بإشكال كثرة التخصيصات ، لوضوح ضرريّة مثل الجهاد ، والقصاص ، والضرائب الماليّة ونحو ذلك ، فأجابوا عنه بعدّة أجوبة ، نذكرها هنا بعد طيّ ما أبداه الشيخ الأعظم قدّس سرّه : من كون التخصيص بعنوان واحد ( 1 ) ، وعدم قبول هذا الوجه من قبل المتأخّرين عنه ، فقال بعض بعدم الفرق بين كون التخصيص بعنوان واحد وعدمه ، وقال بعض : إنّ المقام من القضايا الخارجيّة ، وهذا الفرق إنّما يتمّ في القضايا الحقيقيّة . الجواب الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه : من أنّ حديث ( لا ضرر ) ظاهر في كون الضرر مانعا عن الحكم ، فلا يشمل فرض كون الضرر بنفسه مقتضيا للحكم ، كما في الموضوعات التي تكون من أصلها ضرريّة ، فهو يختصّ بالحكم بما لا يكون ضرريّا في نفسه ، وتتّفق ضرريّته في بعض الأوقات ، فيرفع إطلاقه ( 2 ) . ويرد عليه : أنّ المتعلَّقات الضرريّة كالجهاد ، والخمس ، والزكاة وغير ذلك ليس المقتضي للحكم فيها الضرر المترتّب عليها ، وإنّما المقتضي له المصالح المترتّبة عليها ، فليدلّ الحديث على مانعيّة الضرر فيها . الجواب الثاني : ما ذكره المحقّق النائيني قدّس سرّه : من أنّ حديث ( لا ضرر ) حاكم على الأحكام بملاك النّظر إليها ، والنّظر إلى الحكم فرع فرض الفراغ عن ثبوت ذلك الحكم ، إذن فينحصر الأمر في كون الحديث رافعا لإطلاق الحكم ، لا نافيا لأصل الحكم ، فلا يشمل الحكم الَّذي يكون ضرريّا من أصله ( 3 ) . ويرد عليه : أنّ الحديث ناظر إلى الشريعة بما هي مجموعة قوانين وأحكام ، لا إلى الأحكام بما هي فردا فردا فينفي ثبوت الحكم الضرري في هذه الشريعة ، فينتفى بذلك - لا محالة - الحكم الضرري من أصله . كما ينتفي به الإطلاق الضرري للحكم . الجواب الثالث : ما ذكره المحقّق النائيني قدّس سرّه أيضا ( 4 ) : من دعوى عدم ضرريّة تلك الأحكام في الغالب ، وذلك بإبداء نكات خاصّة في كلّ واحد واحد منها :
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 559
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٥٩
هامش
( 1 ) راجع الرسائل : ص 316 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة اللَّه . .
( 2 ) راجع الكفاية : ج 2 ، ص 269 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني . .
( 3 ) راجع قاعدة ( لا ضرر ) للشيخ موسى النجفي ، ص 211 . .
( 4 ) راجع قاعدة ( لا ضرر ) للشيخ موسى النجفي ، ص 212 . .