منفي بلا ضرر ، فقاعدة ( لا ضرر ) تفيد الإمضاء في أمثال هذه الموارد ممّا يكون الضرر فيها في طول حقّ عقلائي ، كما تفيد التأسيس في موارد الضرر الحقيقي الأصلي . والمحقّق العراقي قدّس سرّه هذا العالم الخبير البصير أدرك بذهنه الوقّاد أنّ حديث ( لا ضرر ) يوجد له متمّم في المرتبة السابقة عليه ، فسلخ حديث ( لا ضرر ) عن كونه مؤسّسا لقواعد فقهيّة ، نظير مؤسّسيّة أصل البراءة والاستصحاب مثلا ، وجعله مشيرا إلى قواعد مجعولة من قبل ( 1 ) ، نظير ما مضى بشأن حديث مسعدة بن صدقة الَّذي جاء فيه : » كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام « ، وخالف قدّس سرّه بذلك المشهور الذين فرضوا هذا الحديث مؤسّسا لقواعد فقهيّة ، والصحيح ما عرفته منّا من الموقف الوسط . الأمر الثاني : أنّ تخيّل ابتلاء حديث ( لا ضرر ) بكثرة التخصيصات نشأ من الجمود على الظهور الأوّلي للكلام بغض النّظر عن مناسبات الحكم والموضوع ، والارتكازات الاجتماعيّة . توضيح ذلك : أنّ من مقوّمات الشريعة بحسب المرتكز العقلائي اشتمالها على قواعد ونظم تحقيق العدالة الاجتماعيّة من قصاص ، وضمان ، وضرائب ماليّة ونحو ذلك ، فحينما ينفي الضرر بالنسبة إلى شريعة يجب أن تحفظ شريعيّة الشريعة ، ثم يقال : إنّها ليست ضرريّة ، فنفي تحقّق الإضرار من قبل الشريعة لا يشمل أمثال هذه الأمور ، وليس من قبيل نفي تحقّق الأضرار من قبل زيد مثلا ، فإنّ ضرريّة كلّ شيء بحسبه ، ولو أنّ أحدا قال : إنّه عندي شريعة لا يرد منها ضرر على أيّ أحد فهي لا تضمّن المتلف ، ولا تعاقب السارق ، ولا تقتصّ من القاتل ، ولا تجبي ضريبة ماليّة من أيّ شخص وهكذا ، لاستهزئ به ، وقيل له : أيّ شريعة أضرّ من هذه الشريعة ؟ هذا بالنسبة للإضرار المحقّقة لسعادة المجتمع والعدالة الاجتماعيّة ، وبعد هذا لم يبق حكم ضرري مخصّص لقاعدة ( لا ضرر ) ، أو أنّه بقي بمقدار غير مستهجن ، فهي من قبيل سائر العمومات التي قد تخصّص ، ومن الواضح أنّه ليس كلّ ما يكون من قبيل الصلاة والصوم ضررا ، إلَّا بمعنى النقص في حقّ الحرية والراحة ، لكنّه ليس للعبد مثل هذا الحقّ تجاه المولى تبارك وتعالى .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 558
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٥٨
هامش
( 1 ) راجع المقالات : ج 2 ، ص 116 - 123 . .