مفاد هيئة جملة ( لا ضرر )
المقام الرابع : في مفاد الهيئة التركيبيّة لجملة لا ضرر .
إنّ استعراض الوجوه في مفاد ( لا ضرر ) يكون على مستويين :
الأوّل : استعراض الاتّجاهات الفقهيّة في الحكم الشرعي المستفاد من ذلك .
والثاني : استعراض المحتملات اللغويّة لجملة ( لا ضرر ) وقد تكون عدّة من تلك المحتملات تفيد اتجاها واحدا من الاتّجاهات الفقهيّة المذكورة في المستوى الأوّل ، وعدّة أخرى منها تفيد اتّجاها آخر وهكذا ، ونحن نستعرض أوّلا تلك الاتّجاهات ، وهذا هو المستوى الأوّل ، ثمّ ندخل في المستوى الثاني ، ونعيّن أنّ أيّ عدّة من المحتملات اللغويّة تفيد أيّ واحدة من تلك الاتّجاهات ، ثمّ ننظر إلى مجموع تلك المحتملات لنختار ما هو الصحيح منها ، ونعيّن ما ينتجه ذاك الاحتمال من اتّجاه فقهي فنقول :
أمّا على المستوى الأوّل : فالاتّجاهات الفقهيّة الرئيسيّة في ( لا ضرر ) ثلاثة :
الأوّل : أنّ مفاده نفي الحكم الضرري ، ولهذا الاتجاه جناحان :
1 - ما يظهر من الشيخ الأعظم قدّس سرّه ، واختاره المحقّق النائيني رحمه اللَّه ومدرسته : من أنّه ينفي الحكم الَّذي ينشأ منه الضرر ، وهذا يعمّ فرض كون الضرر ناشئا من نفس الحكم ، كما في الحكم بصحّة البيع الغبني ولزومه مثلا ، وسيأتي - إن شاء اللَّه - هذا المثال مع مناقشته والبحث فيه ، أو من الجري على طبقه والعمل به ، كما في وجوب الوضوء حينما يكون الوضوء ضرريّا ، من دون فرق - أيضا - بين أن يكون الضرر ناشئا من نفس متعلَّق الحكم بالذات ، كما في هذا المثال ، أو ناشئا من مقدّمات له .
2 - ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه : من أنّه رفع حكم الموضوع الضرري ، فلا يشمل مثلا : ما إذا لم يكن الموضوع الَّذي تعلَّق به الحكم ضرريّا ، بل كانت مقدّماته ضرريّة .
الثاني : أنّ مفاده تحريم الضرر ، وهذا ما ذهب إليه جملة من الأصحاب كالنراقي رحمه اللَّه - على ما أظنّ - من القدماء ، وشيخ الشريعة الأصفهاني قدّس سرّه من المتأخّرين .