تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤

بقوله : ( لا ضرار ) ، ولا يلزم من ذلك تكرار . والخلاصة : أنّ الضرار على ما يفهم عرفا معناه هو الضرر مع أخذ شيء من التأكَّد والتعمّق فيه ، وهذا التأكَّد والتعمّق قد يكون بلحاظ الجانب الخارجي للضرر ، وهو عبارة عن شدّة الضرر ، أو طوله ونحو ذلك ، وقد يكون بلحاظ الجانب النفسيّ من الضرر ، وهو عبارة عن تعمّده ، وتصيّده ، والتفنّن فيه ، ونحو ذلك من التعابير . والمتعيّن في المقام هو الثاني ، لما عرفت من أنّ الأوّل يلزم منه التكرار الركيك في المقام . ويؤيّد ذلك نفي الفقهاء بالقاعدة جملة من الأحكام التي ليست ضرريّة في نفسها حتّى تكفي في نفيها كلمة ( لا ضرر ) ، وإنّما تستغلّ للإضرار ويتعمّد بها الضرر ، وذلك من قبيل نفي كون الطلاق بيد الزوج حينما يستغلّ الزوج ذلك في الإضرار ، ونفي سلطنة الشريك حينما يستغلَّها في ذلك . وقد يقال في المقام : إنّ الضرار له معنى مباين لمعنى الضرر ، فإنّ الضرر عبارة عن النقص ، والضرار ليس نقصا ، وإنّما هو شدّة وضيق من دون نقص ، ويستشهد لذلك باستعمال الضرار في كلّ مورد استعمل فيه من الآيات القرآنية في الضيق والشدّة من دون نقص ، كقوله تعالى : والذين اتّخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين ( 1 ) ، وقوله تعالى : ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا ( 2 ) . أقول : بل إنّ الضرار في أمثال هذه الموارد - أيضا - يوجب النقص ، كما مضى منّا في مثال منع شخص من الخروج من البلد ، أو الاشتراك في الشركات ، فإنّه نقص في حقّ استقرار الشخص وراحته وحريّته وسكون باله ونحو ذلك ممّا يعدّ حقّا عقلائيّا أو قانونيّا ، على أنّ الضرر - أيضا - استعمل في بعض الآيات فيما نظنّ أنّه لم يلحظ فيه نقص من غير ناحية الضيق والشدّة ، كما في قوله تعالى : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنّهم لن يضرّوا اللَّه شيئاً يريد اللَّه أن لا يجعل لهم حظَّاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم . إنّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضرّوا اللَّه شيئاً ولهم عذاب أليم ( 3 ) .

هامش
( 1 ) س 9 التوبة ، الآية 107 . .
( 2 ) س 2 البقرة ، الآية 231 . .
( 3 ) س 3 آل عمران ، الآية 176 - 177 . .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 534 | السيد كاظم الحسيني الحائري