وثالثا : لما ذا كرّر هؤلاء المقطَّعون ذكر نفي الضرر ، فذكروه مرّة في ذيل حديث الشفعة ، وأخرى في ذيل حديث منع فضل الماء ، ولم يكتفوا بذكره مرّة واحدة . ثمّ إنّ صاحب الكافي الَّذي قطَّع هذا الحديث ، وجعل كلّ قطعة منه في بابه المناسب له لما ذا لم يصنع ذلك بجملة ( لا ضرر ولا ضرار ) فلم يذكرها مستقلَّة في بابها ، بل ذكرها في ذيل حديث الشفعة ومنع فضل الماء ؟ قد يقال مثلا : إنّ نفى الضرر لم يكن له باب مستقلّ ، فذكره المقطَّعون ذيلا ولم يذكروه مستقلَّا في بابه ، ولكن صاحب الكافي قد أفرد بابا مستقلَّا في كتابه بعنوان باب الضرر ، وجمع فيه روايات ذكر فيها الضرر فلما ذا لم يذكر هذه الجملة مستقلَّة في ذلك الباب ؟ وإن ادّعي الثاني قلنا : إنّه ليس لحديث عبادة ظهور يخالف ظاهر حديث عقبة حتّى يقدّم عليه ، فإنّه : أوّلا : يحتمل صدور الحكم بالشفعة مثلا عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله مرّتين : مرّة بدون الذيل ، ومرّة أخرى مع الذيل ، فنقل عبادة إحداها ونقل الإمام الصادق عليه السلام الأخرى ، والنبي صلَّى اللَّه عليه وآله كان هو الحاكم المطلق في وقته بين اتباعه ، فأيّ استبعاد في أن تتعدّد له القضايا في الشفعة فيحكم بالشفعة مرّات عديدة . وثانيا : لو فرضنا وحدة صدور الحكم بالشفعة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله فمن المحتمل أنّه كان مذيّلا بنفي الضرر وأسقط عبادة الذيل ، وليس هذا خيانة منه ، فإنّ إسقاط هذا الذيل لا يغيّر معنى الحكم بالشفعة ، ولعلَّه شجّعه على هذا الإسقاط ذكره للقضاء بنفي الضرر مستقلا . ثمّ إنّ المحقّق النائيني قدّس سرّه ذهب إلى ما ذهب إليه شيخ الشرعية رحمه اللَّه من إنكار الذيليّة ، واستشهد إضافة إلى النكات التي ذكرها شيخ الشريعة بنكات أخرى ( 1 ) : إحداهما : أنّه لو كانت هذه الجملة ذيلا للزم عدم نقل عقبة لهذا القضاء وخلوّ روايته عنه ، مع أنّه من المشتهر المعروف الواضح صدوره عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله . ويرد عليه : أوّلا : أنّ المشهور إنّما هو أصل الحكم بالضرر لا كونه قضاء مستقلَّا ، وأصل الحكم موجود في حديث عقبة . وليس من المناسب كونه قضاء مستقلا ، فإنّه كبرى كليّة تنشأ منها الأقضية في الأحكام المعيّنة في القضايا التي تتّفق خارجا ، فيقضي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فيها بشيء ، فالمناسب أن يكون ذيلا لقضاء لا قضاء
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 517
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥١٧
هامش
( 1 ) راجع قاعدة لا ضرر للشيخ النجفي ، ص 195 . .