المأخوذ عدمه في قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ليس المراد منه خصوص البيان الواصل بالفعل ، بل البيان الَّذي هو في معرض الوصول ، وبما أنّ المفروض في المقام أنّ البيان في معرض الوصول موجود في محلَّه فلا يقبح العقاب ، فإذا بنينا على عدم جريان البراءة العقليّة قبل الفحص بأحد هذين البيانين المشهورين لا يبقى مجال لكلامه قدّس سرّه .
وثانيا : أنّنا لو سلَّمنا أنّ البراءة العقليّة جارية حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص قلنا مع ذلك : إنّ كلامه قدّس سرّه غير صحيح على مبناه ، وذلك لأنّه قدّس سرّه في مسألة الشكّ قبل الفحص استدلّ على وجوب الاحتياط بالعلم الإجمالي بالتكاليف الواقعيّة ، وأنكر انحلال هذا العلم الإجمالي ، وذكر أنّ هذا العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الجملة مدرجة في كتاب الوسائل ينجّز تمام التكاليف الموجودة في كتاب الوسائل ، ولم يوافق قدّس سرّه على انحلاله قبل تماميّة الفحص ، فكيف يقول رحمه اللَّه هنا بعدم تماميّة البيان ؟ ولو سلَّمنا جريان قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) في الشبهة البدويّة قبل الفحص ، فلا نسلَّم جريانها في موارد العلم الإجمالي .
أمّا لو تنزّلنا عن كلا هذين الإشكالين ، وفرضنا عدم العلم الإجمالي ، وعدم ورود إشكال عدم الفحص ، فعندئذ يتمّ ما ذكره قدّس سرّه من أنّ العقاب يكون على المجموع وعلى ترك مخصوص ، وهذا هو الَّذي ينبغي أن يوجّه به العقاب في ترك الاحتياط بعد الفحص بناء على ما يقوله الأخباري من وجوب الاحتياط .
وهذا الكلام قد يتراءى في بادئ الأمر أنّه لا محصّل له ، لأنّه إذا استحال العقاب على مخالفة الخطاب الواقعي في نفسها ، واستحال كذلك العقاب على مخالفة الخطاب الطريقي في نفسها ، فضمّ ما لا يمكن العقاب عليه إلى ما لا يمكن العقاب عليه كيف ينتج موضوعا يمكن العقاب عليه ؟ إلَّا أنّ الصحيح هو أنّ العقاب يكون على المجموع وعلى ترك مخصوص ببيان : أنّ قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) موضوعها في نظر العقل ( على تقدير تسليم القاعدة ) إنّما هو الشكّ في التكليف مع الشكّ في اهتمام المولى به لدى الشكّ على فرض وجوده ، فكما يرتفع موضوعها ببيان التكليف كذلك يرتفع موضوعها ببيان اهتمامه به على فرض وجوده ، فلو أوجب الشارع الاحتياط كان ذلك بيانا لاهتمامه بالتكليف على فرض وجوده ، وارتفع بذلك موضوع قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) فيعاقب على مخالفة الواقع الَّذي دلّ الدليل على وجوب الاحتياط تجاهه .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 470
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٧٠