المحقّق النائيني رحمه اللَّه على ما في تقرير بحثه ( 1 ) : أنّ العقاب ليس على ترك الواقع في نفسه فإنّه في نفسه غير مبيّن ، فيقبح العقاب عليه عقلا ، ومجرّد أنّ المولى حكم بوجوب الفحص أو الاحتياط تجاهه لا يجعل غير المبيّن مبيّنا وغير الواصل واصلا ، ولا على مخالفة الخطاب الآخر بما هو ، لأنّه خطاب طريقي وليس خطابا نفسيّا ، فإنّ الظهور العرفي في مثل الأوامر بالتعلَّم ، والسؤال ، والاحتياط ونحو ذلك من العناوين التي يكون لها دخل في التوصّل إلى امتثال تكليف آخر يقتضي كونها خطابات طريقيّة لا نفسيّة ، وأنّها مأمور بها بالمعنى الحرفي لا المعنى الاسمي ، والأمر بها بالمعنى الحرفي كاشف عن الملاك فيها بالمعنى الحرفي لا الاسمي ، ومرجع ذلك إلى التحفّظ على الملاكات الواقعيّة ، فهذا الخطاب طريقي وليس نفسيّا ، والخطابات الطريقيّة لا عقاب على مخالفتها بما هي ، وإنّما يستحقّ العقاب على المجموع المركَّب منهما ، أي : على ترك التعلَّم والاحتياط بقيد أن يكون مؤدّيا إلى تفويت الواقع ، وهذا الترك الخاصّ بما هو منظور إليه بعين الخطاب الطريقي ترك للحكم الواصل ، فلا يأتي إشكال قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ، وبما هو منظور إليه بعين الخطاب النفسيّ يكون نفسيّا ، فلا يأتي عليه إشكال : أنّ الخطاب الطريقي لا يعاقب عليه . أقول : يرد على هذا الكلام : أوّلا : أنّه إنّما ينسجم مع مبنى المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه القائل بجريان قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) حتّى قبل الفحص ، وأمّا على مبنى المشهور ومنهم المحقّق النائيني رحمه اللَّه نفسه من عدم جريان قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) قبل الفحص ، فقوله : « إنّ العقاب على الواقع في نفسه غير صحيح ، لعدم تماميّة البيان » لا مجال له ، وكأنّه خلط بين الاحتياط في الشبهة بعد الفحص وما هو محل الكلام من الشبهة قبل الفحص . وهذا الكلام إنّما يكون له مجال في فرض وجوب الاحتياط بعد الفحص ، فعندئذ يقال مثلا : إنّ العقاب ليس على الواقع بما هو لقبح العقاب عليه . وأمّا قبل الفحص فهم يقولون بعدم جريان البراءة العقليّة إمّا بدعوى : أنّ نفس احتمال الواقع قبل الفحص يكون بيانا في نظر العقل ومنجّزا ، وإمّا بدعوى : أنّ البيان
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 469
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٦٩
هامش
( 1 ) راجع فوائد الأصول : ج 4 ، ص 99 ، وأجود التقريرات : ج 2 ، ص 329 - 331 . .