أصلين مركوزين في نظر العقلاء حتّى يصرف إليهما الدليل اللفظي الدالّ عليهما ، ولذا لا نقبل الاستدلال على الاستصحاب بالسيرة العقلائيّة .
فإن قلت بالنسبة لخصوص أصالة الطهارة : إنّ مرجعها بحسب الحقيقة إلى البراءة والإعفاء عن آثار النجاسة ، فهي شعبة من شعب أصالة البراءة ، فالارتكاز المحكَّم في الأصل يحكَّم في هذه الشعبة أيضا .
قلت : ليس الأمر كذلك ، فإنّ أصالة الطهارة ليست مخصوصة بخصوص موارد البراءة العقلائيّة من قبيل التأمين عن حرمة شرب الماء المحتمل النجاسة ، ولا يقوم دليل أصالة الطهارة فقط بوظيفة البراءة وإنّما يقوم - أيضا - بوظائف أخرى مهمة لا تقوم بها البراءة ، بل لولا أصالة الطهارة لكان الجاري عند العقلاء والعقل أصالة الاشتغال ، فمثلا : دليل أصالة الطهارة يحرز وجود الشرط للواجب في الموارد التي يعلم بتعلَّق التكليف فيها بالوضوء بالماء الطاهر ، مع أنّ الأصل العقلي والعقلائي عند الشكّ في ذلك هو الاشتغال ، لأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني [ 1 ] .
الوجه الثاني : إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل البراءة وإطلاق قوله تعالى :
حتّى يبيّن لهم ما يتقون وهذا الوجه كما ترى يأتي هنا أيضا ، فلو وجدت رواية في كتاب الوسائل تدلّ على النجاسة ، أو على خلاف الحالة السابقة كان هذا بيانا ودخل في الآية الشريفة .
الوجه الثالث : احتمال القرينة المتّصلة بلحاظ شدّة اهتمام الشارع بإيصال التكليف ، وإفناء الشكّ في التكليف في الشبهات الحكميّة ، وهذا الوجه كما ترى لا يفرق فيه بين البراءة وأصالة الطهارة والاستصحاب النافي للتكليف .
الوجه الرابع : حكم العقل ، وقد قلنا : إنّه يرجع إلى حكم العقلاء فيرجع إلى الوجه الأوّل . وقد تقدّم الكلام فيه .
الوجه الخامس : دعوى أنّه قبل الفحص نحتمل وجود حجّة على التكليف الإلزاميّ أو على النجاسة ، فيكون التمسّك بالعموم تمسّكا به في الشبهة المصداقيّة .
شرح
[ 1 ] لعلّ المقصود بهذا الكلام تنبيه الوجدان على أنّ مضمون أصالة الطهارة من حيث اللَّسان يختلف عن مضمون أصالة البراءة وإن اشتركا في التأمين ، فأصالة البراءة تثبت التأمين بلسان التأمين مباشرة ، ولكنّ أصالة الطهارة تثبت التأمين بلسان إثبات الطهارة ، فلا تحمل عرفا على حدود البراءة العقلائيّة ، بل تبقى شاملة لموارد الافتراق .