الحال في سائر الأصول الأخرى كأصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين ، وأصالة الطهارة في الشبهات الحكميّة ، والاستصحاب النافي للتكليف في الشبهات الحكميّة :
أمّا أصالة التخيير فلأنّها أصل عقلي محض يرجع فيه إلى حكم العقل ، والعقل يستقلّ بالتخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين بملاك العجز وعدم القدرة ، فإنّ الامتثال القطعي مستحيل التحقّق ، والامتثال الاحتمالي مستحيل الانتفاء ، وقبل الفحص يحتمل القدرة ، وذلك بأن يفحص فيتعيّن التكليف فيعمل به ، واحتمال القدرة منجّز ، واحتمال العجز ليس مؤمّنا .
ونفس هذا البيان يأتي - أيضا - في موارد دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الموضوعيّة ، فلا يقاس مورد دوران الأمر في الشبهة الموضوعيّة بين المحذورين بمورد الشكّ البدوي في الشبهة الموضوعيّة ، ولو سلَّمنا جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة قبل الفحص ، فإنّ العلم الإجمالي من حيث كونه بيانا وانكشافا تام لا قصور فيه ، وإنّما القصور فقط في قدرة المكلَّف ، والشكّ في القدرة مورد للاشتغال والاحتياط ، فلا بدّ من الفحص [ 1 ] .
وأمّا أصالة الطهارة والاستصحاب النافي في الشبهات الحكميّة فنحسب حسابهما على ضوء الوجوه التسعة الماضية لوجوب الفحص ، لنرى أنّ أيّا منها يأتي هنا وأيّا منها لا يأتي ، فنقول :
الوجه الأوّل : دعوى تقييد إطلاق دليل البراءة بالارتكاز ، وهذا الوجه لا يجري في المقام ، لأنّ هذا الوجه موقوف على أن يجيء الدليل متضمّنا لكبرى لها مماثل مركوز في الأذهان العقلائيّة ، فينعقد لهذا الدليل ظهور ثانوي سياقي بحسب الفهم العرفي في أنّه إمضائي لا تأسيسي ، فيتبع الممضى سعة وضيقا ، وهذا المطلب إنّما يتمّ في البراءة لوجود البراءة العقلائيّة ، وأمّا أصالة الطهارة والاستصحاب فليسا
شرح
[ 1 ] لا يخفى : أنّ الشكّ في القدرة هنا ليس شكَّا في القدرة على موافقة الحكم الواقعي حتّى يدّعى أنّه يؤدّي إلى الشكّ في التكليف ، وبالتالي يؤدي إلى البراءة ، لأنّ القدرة دخيلة في التكليف ، أو يدّعى أنّ احتمال دخل القدرة في الملاك وفي المحبوبيّة يؤدّي بنا إلى إجراء البراءة ، لأنّنا لم نحرز لا التكليف ولا الملاك ولا المحبوبيّة ، وإنّما هو شكّ في القدرة على الموافقة القطعيّة بعد القطع بثبوت الواقع للقدرة عليه ، ومن المعلوم استقلال العقل في ذلك بالاحتياط بعد فرض عدم الأصول المؤمّنة الأخرى .