تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
وعلى أيّ حال ، فمن الناحية الكبرويّة لا بدّ من الفحص في تمام المقامات ، لأنّه ليست هناك عادة منتزعة عن عمل نفس المولى حتّى يقتصر على تلك العادة . هذا كلَّه من ناحية السند . وأمّا من ناحية الدلالة ، فلا بدّ من الفحص في المقام بمقدار الخبرة الذاتيّة للمجتهد الخبير ، ولا بدّ له من أن يعمل قدرته في فهم المعنى من اللفظ بالنحو المتعارف بين الخبراء بالنسبة لتلك المادة ، وقد يدخل في هذا المتعارف - أحيانا - الاستفادة من الخبرات السابقة أيضا ، لأنّ الخبراء في كلّ علم قد يستفيدون من الخبرات السابقة إذا انقدح في ذهنهم احتمال أن يكون الخبراء السابقون قد تنبّهوا إلى مطلب يخفى عليهم لولا هذا الفحص ، فهذا المقدار الاعتيادي الَّذي يعمله كل خبير في مقام التوصّل إلى الحقيقة في مجال خبرته لا بدّ منه في المقام ، وأمّا الزائد على هذا المقدار بحيث ينفي احتمال أن يكون الأشخاص الآخرون استفادوا من الأصول الموضوعيّة - المشتركة بينه وبينهم - نكتة لم يستفدها هو منها ، فهذا غير لازم ، لأنّ مثل هذا الارتكاز غير موجود عند العقلاء ، فيرجع إلى إطلاق دليل البراءة ، لأنّ تقييد إطلاقه إنّما كان باعتبار ارتكاز لزوم الفحص في الأذهان العقلائيّة ، فيقدّر التقييد بقدره ، فيجوز لهذا المجتهد - الَّذي يحتمل أن يكون هناك مجتهد أبصر منه قد التفت إلى نكتة لم يلتفت هو إليها - أن يجري البراءة إذا فحص وأعمل قدرته بالمقدار المتعارف في كل باب من أبواب الخبرات البشريّة . هذا هو مقتضى الوجه الأوّل ، وقد تبيّن أن مقتضاه هو توسعة دائرة الفحص من ناحية السند ، وتضييقها من ناحية الدلالة بالمقدار الَّذي بيّناه . الوجه الثاني : إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل البراءة وقوله تعالى : حتّى يُبَيّن لهم . . . فمن حيث السند نقول : إنّه لو وجدت رواية في كتاب اللغة مثلا صدق عنوان البيان . ومن حيث الدلالة نقول : إنّه إذا احتمل المجتهد أنّه لو راجع الأعلم فقد يبيّن له بيانا فنّيّا بحيث يفهم معنى جديدا من الرواية ، لا يصدق عنوان البيان لهذا المجتهد ، لأنّه قد فحص بالمقدار الَّذي يكلَّفه الارتكاز العقلائي ولم يصل إليه الحكم ، فلا يصدق أنّه قد بيّن له المولى ، فنتيجة هذا الوجه هي نتيجة الوجه الأوّل تماما .