المخصّصين ، وتقديم أخبار التعلَّم عليه بلا إشكال .
وإن بنينا على الأوّل وقع التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه ، فمادّة الاجتماع : هي الشبهة قبل الفحص غير المقرونة بالعلم الإجمالي ، ومادّتا الافتراق :
هما الشبهة قبل الفحص المقرونة بالعلم الإجمالي من ناحية ، والشبهة البدويّة بعد الفحص من ناحية أخرى ، فلو فرضنا أنّه لا توجد مزية في أحد الدليلين - من قبيل أن يكون أحدهما قرآنيا والآخر غير قرآني - حصل التعارض والتساقط في مادّة الاجتماع ، ونرجع إلى البراءة العقليّة بناء على ما بنى عليه المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه : من جريان قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص ، أو إلى البراءة الشرعيّة عن وجوب الفحص .
الاعتراض الثاني : أنّ أخبار وجوب التعلَّم مسوقة مساق الإرشاد إلى الحكم العقلي بوجوب الفحص ، فإنّ العقل يستقلّ قبل الفحص بالاحتياط لا بالبراءة العقليّة ، وحيث كانت هذه الأخبار إرشادا إلى هذا الحكم العقلي فلا تزيد على نفس حكم العقل ، فكما أنّ دليل البراءة الشرعيّة يحكم على حكم العقل ، لأنّ حكم العقل بوجوب الفحص مقيّد بأن لا يرخّص الشارع في ترك الفحص ، كذلك يحكم على هذه الأخبار .
وتحقيق هذا الاعتراض : هو أنّ هذه الأخبار يتصوّر لها أحد مفادين :
الأوّل : أن يكون مفادها هو عدم جواز إهمال التكليف الواقعي المشكوك ولزوم التصدّي لمعرفته .
والثاني : أن يكون مفادها عدم جواز إهمال الوظيفة العمليّة ، ولزوم تحديدها سواء كانت هذه الوظيفة عبارة عن نفس التكليف الواقعي ، أو عن مفاد أمارة من الأمارات ، أو عن مفاد أصل من الأصول .
فإن فرض الثاني صحّ هذا الاعتراض ، فإنّ دليل البراءة في الحقيقة يعيّن الوظيفة العمليّة في أصالة البراءة .
لكن لا ينبغي الإشكال في أنّه ظاهر أخبار التعلَّم هو الأوّل ، فإنّ ما دلّ على أن طلب العلم فريضة ، أو غير ذلك إن تمّت دلالته في المقام من سائر الجهات ، فهو ظاهر في أنّه لا بدّ من تحصيل التكليف الواقعي المحتمل ، وطلب العلم به والفحص عنه ، وعندئذ فلا معنى لتحكيم دليل البراءة على هذه الأخبار ، فإنّ هذا اللسان يكون بنفسه إعمالا للمولويّة في مقام حفظ التكاليف الواقعيّة المشكوكة ، ولزوم الاحتياط
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 445
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٤٥