الوجه الثامن : هو التمسّك بأخبار وجوب التعلَّم ، وهذا الوجه إنّما ينفع لمن عرف صدفة أخبار وجوب التعلَّم وتماميّتها سندا ودلالة ، وأمّا من لم يعرف ذلك فلو لم يوجد في المرتبة السابقة على ذلك منجّز لوجوب الفحص ، فقد لا يفحص عن نفس هذه الأخبار حتّى يبتلي بالفحص عن الأحكام الشرعيّة ، فيحتمل عدم تماميّتها سندا أو دلالة خصوصا أنّ المحقّق العراقي رحمه اللَّه ذكر أنّها غير تامّة دلالة ، فيشكّ - عندئذ - في وجوب الفحص ، فيتمسّك بأصالة البراءة عن وجوبه ، فهذه الأخبار إنّما
شرح
- الاحتياط قبل الفحص بالبيان الَّذي عرفت ، وما مضى في الوجه السادس من العلم الإجمالي بخطابات واقعيّة ، ولكن بنحو لا يرجع ذلك إلى الوجه السابع ولا إلى الوجه السادس ، وتوضيحه : أنّنا في الوجه السابع كنّا نرى أنّ مجرّد احتمال خطاب واقعي يبطل التمسّك بالبراءة قبل الفحص ، لأنّه على تقدير وجود خطاب واقعي تكون البراءة عنه قبل الفحص منافية له عرفا ، لأنّه يدلّ بالالتزام على الاحتياط قبل الفحص ، فظهور دليل البراءة في أنّه ليس بصدد معارضة الواقع على تقدير وجوده يمنع عن التمسّك به قبل الفحص ، ولكنّنا في هذا الوجه نفترض الغفلة عن أنّ مجرّد احتمال الخطاب يمنع عن إجراء البراءة ، ولكنّنا نقول : إنّ العلم الإجمالي بالخطاب يمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص ، لا بملاك التعارض والتساقط ، كي يرجع الأمر هذه المرّة إلى ما مضى من الوجه السادس الَّذي كان يحاول فيه جعل العلم الإجمالي بالواقعيّات موجبا لتعارض الأصول وتساقطها ، بل بملاك أنّ تلك الخطابات المعلومة إجمالا قد أسقطت البراءة في مواردها بدلالتها على وجوب الاحتياط ، فيدخل المقام في باب اشتباه الحجّة باللاحجّة ، فلا يمكننا التمسّك بالبراءة في كل مورد احتملنا فيه وجود خطاب واقعي دالّ بالملازمة على وجوب الاحتياط .
وبهذا نكون قد حصلنا على وجه مستقل لإثبات المقصود ، لا يرجع إلى الوجه السادس ، ولا إلى الوجه السابع .
أقول : إنّ هذا الوجه وإن كان مفيدا لإبطال التمسّك بالبراءة عن الواقع ابتداء من دون أن يرجع إلى الوجه السابع ولا السادس ، ولكن تصل النوبة - عندئذ - إلى البراءة الطوليّة عن وجوب الاحتياط ، وينحصر الجواب عن ذلك بأحد أمرين : إمّا بيان أنّ مجرّد احتمال الخطاب الواقعي الَّذي لو كان لكان دالا على وجوب الاحتياط كاف في دفع هذه البراءة - أيضا - الظاهر دليلها في عدم مصادمة الواقع على تقدير وجوده ، وهذا رجوع إلى الوجه السابع ، وإمّا بيان أنّ هذه البراءات الطوليّة متعارضة ومتساقطة ، لوجود العلم الإجمالي بالخطابات الواقعيّة الدالَّة على وجوب الاحتياط ، وهذا رجوع إلى الوجه السادس .
ثمّ إنّ لنا حول الوجه السابع كلاما سوف نذكره - إن شاء اللَّه - في مسألة الفحص في الشبهات الموضوعيّة فراجع .