الغربة والوحدة ، والمحدّث في الخلوة ، والدليل في السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزين على الأخلَّاء ، يرفع اللَّه به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم ، ويقتدى بفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ، ترغب الملائكة في خلَّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلواتها تبارك عليهم ، يستغفر لهم كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهو أمّه وسباع البر وأنعامه . . . » إلى آخره ( 1 ) . وهذه الروايات لا ينبغي الإشكال في دلالتها على وجوب طلب العلم ، إلَّا أنّ حمل العلم فيها على مجرّد الاطَّلاع على الأحكام اللزوميّة الواقعة في محلّ ابتلاء المكلَّف سواء كان الاطَّلاع عليها عن طريق الاجتهاد أو التقليد - وهذا هو وجوب الفحص الَّذي نتكلَّم عنه في المقام - خلاف الظاهر ، وإنّما الظاهر منها : هو أن يكون المراد بالعلم مرتبة من الثقافة الإسلاميّة التي كان يعبّر عنها في عصور المجتمع الإسلامي - وقتئذ - بالعلم بقول مطلق ، وحتّى الآن يعبّر بكلمة ( العلم ) عن مرتبة خاصّة من الثقافة المعمّقة ، وهذه المرتبة نشأت منذ عصر النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، ونمت بعد ذلك في عصور الأئمة عليهم السلام ، فإنّ جملة من الصحابة تميّزوا بقريحة فقهيّة ، ويحفظ الآثار والأخبار بحيث كانوا مرجعا في الحلال والحرام بعد وفاة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، ومثل هذا التمييز حصل في جملة من أصحاب الأئمة عليهم السلام على طول الخطَّ منذ زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، فإنّ هناك جماعة كانوا في كلّ جيل يحملون ثقافة الشريعة الإسلاميّة وأحكامها حملا اجتهاديّا تفصيليّا على مستوى وضع العلم وقتئذ ، ( لا على مستواه في هذا المراحل التي نحن نعيشها ) ، وهذا المعنى من العلم لا يفرق فيه بين الأحكام الداخلة في محلّ ابتلاء الشخص وغيرها ، ولا يشمل هذا العلم مجرّد التقليد ، وكلّ مرتبة من مراتب المعرفة البسيطة ، والعلم وإن كان لغة بمعنى الانكشاف ، لكن بحسب المصطلح العرفي السائد اجتماعيّا منذ عصر الأئمة وإلى يومنا هذا يطلق على مرتبة مخصوصة معمّقة من المعرفة ، وليس كل انكشاف علما ، فتكون هذه الروايات ظاهرة في هذا المعنى ، وتؤيّد ذلك القرائن المنتشرة في نفس متون الروايات ، فمثلا : في بعض الصيغ ذكرت المقارنة بين حال العالم وحال الجاهل ، وذكرت في بعض الصيغ فوائد العلم وشأن العالم وجلاله ، وأنّ العلم يؤنس الإنسان في وحشته وفي غربته ، وهو السلاح على
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 448
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٤٨
هامش
( 1 ) نفس المصدر : ح 7 . .