تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠

ومن المعلوم أنّ هذا القانون عند العقلاء ليس في فرض كون الحكم في معرض الوصول مع عدم تصدّي العبد للاطَّلاع عليه [ 1 ] . الوجه الثاني : ما هو المختار - أيضا - من عدم تماميّة المقتضي [ 2 ] ، لكن لا بمعنى عدم الإطلاق في جميع أدلَّة البراءة كما ذكرناه في الوجه الأوّل ، بل بلحاظ مجموع أدلَّة البراءة . وتوضيح ذلك : أنّه لم يتمّ عندنا من أخبار البراءة من حيث السند والدلالة معا إلَّا حديث الرفع ، وبغض النّظر عن الوجه الماضي والوجه الآتي يكون هذا الحديث مطلقا شاملا لما قبل الفحص ، وتمّت عندنا من الكتاب آيتان : وهما قوله تعالى : لا يكلَّف اللَّه نفساً إلَّا ما آتاها ( 1 ) وقوله تعالى : وما كان اللَّه ليُضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يُبيّن لهم ما يتّقون ( 2 ) . وهاتان الآيتان تدلَّان بلحاظ المستثنى منه على البراءة ، وبلحاظ المستثنى على عدم البراءة عند ثبوت الإيتاء والتبيين ، وليس المفهوم عرفا من الإيتاء والتبيين أن يطرق المولى باب دار كلّ واحد من عبيده ويخبره بالحكم مثلا ، بل يصدق الإيتاء والتبيين بمجرّد جعل الحكم في معرض الوصول ، وهذا أعمّ من فرض الوصول فعلا وعدمه . كما أنّ حديث الرفع أعمّ من عدم الوصول لعدم الفحص وفرض عدم الوصول بعد الفحص ، فالنسبة بينهما عموم من وجه ، ومتى ما وقع التعارض بين الكتاب والخبر غير القطعي بالعموم من وجه قدّم الكتاب على الخبر [ 3 ] .

شرح
[ 1 ] وهذا البيان بعينه يأتي فيما لو أريد التمسّك بأدلَّة البراءة التي هي في المرتبة الثانية - أعني في مرتبة البراءة العقليّة - أي التي موضوعها الشكّ في الواقع وفي وجوب الاحتياط ، فإنّها - أيضا - منصرفة بنفس النكتة إلى ما بعد الفحص عن الواقع وعن إيجاب الاحتياط لا إلى خصوص ما بعد الفحص عن إيجاب الاحتياط ، والمفروض أنّه لم يتمّ بعد في المقام الفحص عن الواقع ، ولم يكن موضوعها الشكّ في وجوب الاحتياط فقط حتّى يفترض أنّ إطلاقها إنّما ينصرف عن فرض عدم الفحص عن وجوب الاحتياط ، وأنّنا لو فحصنا عن وجوب الاحتياط ولم نحصل على دليل عليه تمسّكنا بإطلاق دليلها رغم عدم الفحص عن الواقع . [ 2 ] ويمكن تسمية هذا الوجه ببيان وجود المانع . [ 3 ] لا يقال : إنّنا ننفي احتمال الإيتاء والتبيين لدى شكَّنا في ذلك قبل الفحص بالاستصحاب ،
هامش
( 1 ) س 65 ، الطلاق ، الآية 7 . .
( 2 ) س 9 ، التوبة ، الآية 115 . .