بحسب ما وصلنا من كلماتهم ، فكانت البراءة العقليّة في أزمنة الشيخ الطوسي إلى المحقّق والعلامة تفسّر باستصحاب حال العقل الحاكم بعدم التكليف قبل الشريعة ، وبعد هذا جعلت البراءة العقليّة أمارة من الأمارات من باب أنّ عدم وجود دليل على الحكم دليل على العدم ، وبعد هذا أرجعت البراءة العقليّة إلى قانون استحالة التكليف بغير المقدور خلطا بين الجهل بالحكم بمعنى الإبهام المطلق والشكّ في وجود حكم معيّن وعدمه .
وواقع المطلب : هو أنّ هذه القاعدة - أعني قاعدة قبح العقاب بلا بيان - قاعدة عقلائيّة لا عقليّة كما تخيّلوا ، حيث مضى تقسيم المولويّة ، إلى المولويّة الذاتيّة والمولويّات المجعولة ، وقلنا : إنّ معنى قبح العقاب بلا بيان : هو أنّ المولى ليس من حقّه أن يعاقب على مخالفة حكمه عند عدم العلم به ، وهذا يعني أنّه ليس من حقّه وجوب الامتثال في أحكامه المشكوكة ، ومعنى ذلك : أنّ مولويّته تختصّ بالأحكام المعلومة ولا مولويّة له في دائرة الأحكام المشكوكة ، إذن ففي مقام تشخيص صحّة البراءة العقليّة وعدمها يجب الرجوع إلى مدرك المولويّة لنرى سعة المولويّة وضيقها . وفي المولويّات المجعولة من قبل العقلاء نرجع إلى الجعل ونرى أنّه غير ثابت في دائرة التكاليف المشكوكة ، وأنّ العقلاء بحسب جعولهم وارتكازاتهم يخصّون المولويّة بالتكاليف الواصلة . وهذا معنى قولنا : إنّ هذه قاعدة عقلائيّة .
وقد تمركزت هذه القاعدة العقلائيّة في أذهان العقلاء ، وتعمّقت في نفوسهم إلى درجة وقع الاشتباه بينها وبين القاعدة العقليّة ، وتخيّل أنّ هذه قاعدة عقليّة نابعة من صميم العقل . وإذا رجعنا إلى المولويّة الذاتيّة فلا بدّ أن نرجع إلى مدرك مولويّته تعالى ، وهو بداهة العقل ، فمولويّته أمر واقعي ثابت يدركه العقل كإدراكه لأصل وجوده تعالى ، ولا يمكن البرهنة على سعة هذه المولويّة أو ضيقها . ونحن يحكم عقلنا بالبداهة : أنّ مولويّة المولى تعالى تشمل التكاليف المعلومة والمظنونة والمشكوكة والموهومة ، وأنّه لا أساس لقاعدة البراءة العقليّة .
هذا . وإذا راجعنا المرتكز العقلائي والقاعدة العقلائيّة ، نرى أنّ حكمهم بعدم المولويّة وعدم حقّ الامتثال على العبد وحقّ العقاب لدى مخالفته إنّما يختصّ بما بعد الفحص ، ولا تجري القاعدة بمجرّد عدم تصدّي العبد للفحص عن حكم مولاه وبقائه شاكَّا في الحكم ، هذا في أحكام المولويّات الاجتماعيّة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 427
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٢٧