تعذّر بعضه فلا بدّ من الإتيان بالبعض الآخر ، وهذا هو تمام المقصود في المقام .
إلَّا أنّه استشكل في دلالة الحديث من ناحية أنّ هذه الصيغة طبّقت على مورد الكلَّي والفرد ، إذ وردت في قصة : وهي أنّ صحابيّا سأله صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه هل يجب الحجّ في كلّ عام ؟ فلم يجب صلَّى اللَّه عليه وآله إلى المرّة الثالثة ، فانضجر صلَّى اللَّه عليه وآله وضاق بهذا الإلحاح ، وقال : « لو قلت : نعم ، لوجب الحجّ في كلّ عام ، ولو وجب ، لما استطعتم ولو تركتم لكفرتم » ثمّ قال بعد ذلك : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » .
وكلمة ( من ) وإن كانت ظاهرة في التبعيض إلَّا أنّه لا بدّ من حملها على البيانيّة أو على معنى الباء مثلا ، حتّى ينسجم مع المورد ، فكأنّه يقول ( فأتوه ، أو فأتوا به ما استطعتم ) ، وحملها على معنيين غير صريح .
وأجاب المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه عن ذلك بأنّنا لا نسلَّم كون ( من ) موضوعة للتبعيض بالمعنى الَّذي لا يناسب الفرد بالنسبة للكلَّي ، بل معنى كونها دالَّة على التبعيض أنّها دالَّة على الاقتطاع والاستخراج والإفراز بنحو من الأنحاء ، وهو كما يناسب اقتطاع الجزء من المركَّب كذلك يناسب اقتطاع الفرد من الكلَّي بحسب النّظر العرفي باعتبار أنّ الكلَّي له نحو إحاطة وشمول على الأفراد ، فيكون إخراج الفرد منه نحو اقتطاع له منه [ 1 ] . وهذا الَّذي أفاده قدّس سرّه في غاية الوجاهة .
شرح
[ 1 ] الشيخ الأصفهانيّ رحمه اللَّه ليس بصدد تصحيح دلالة الرواية على المقصود بهذا البيان ، بل بصدد بيان أنّ كلمة ( من ) التبعيضيّة لا توجب اختصاص مفاد الرواية بالمقصود من وجوب الإتيان بالمقدار الممكن من المركَّب لدى تعذّر بعض الأجزاء ، وذلك لأنّ كلمة ( من ) هنا لا تحمل على التبعيض بعنوانه بالمعنى الَّذي ينسجم مع الكلّ والبعض ، ولا ينسجم من الكلَّي والفرد ، إذ لو حملت على هذا المعنى لما أمكن تطبيق النصّ على مورده وهو الكلَّي والفرد ، بل هي لمجرّد اقتطاع مدخولها عن متعلَّقه ، وهذا وإن كان يوافق التبعيض في المركَّب ولكنّه في نفس الوقت يناسب الكلَّي والفرد أيضا ، لأنّ الفرد منشعب من الكلَّي ويصحّ اقتطاع الفرد المستطاع من الكلي ، فلا تتعيّن إرادة المركَّب من الحديث ، والمتيقّن بحسب مورد الحديث هو الكلَّي دون المركَّب . راجع نهاية الدراية : ج 2 ، ص 299 .
وكأنّه رحمه اللَّه يقصد إبطال دلالة الحديث على المدّعى على أساس مسلك كون وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب يضرّ بالإطلاق ، وبما أنّ القدر المتيقّن بلحاظ مورد الحديث هو الكلَّي والفرد ، فلا يمكن إثبات المقصود بإطلاق الحديث .