إلَّا أنّه لا بدّ بعد هذا من التكلَّم في فقه الرواية ، باعتبار أنّ الرواية لا تخلو من إشكالات قد تؤدّي إلى الالتزام بإجمالها ، أو بوقوع سقط فيها ، أو تفسير للرواية يوجب سقوطها عن الاستدلال بها ، والإشكالات التي قد تخطر بالبال هي أمور :
الأوّل : أنّه يبدو من الحديث أنّ السؤال كان بنفسه قوّة محرّكة للتشريع ، فكان من المحتمل أن يتحرّك التشريع الإسلامي بمنبّهيّة السؤال فيوجب الحجّ في كلّ عام .
وهذا عجيب ، فإنّ الأحكام تتبع المصالح والمفاسد الواقعيّة ، فلو كان ملاك الحكم تامّا فلا بدّ من تشريعه سواء سأل السائل وألحّ على السؤال أو لا ، وإلَّا فلا معنى لتشريعه سواء سأل أو لم يسأل .
الثاني : أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « لو قلت : نعم ، لوجب الحجّ في كلّ عام ، ولو وجب لما استطعتم ولكفرتم . . . » ، فلو أنّهم لم يستطيعوا فكيف يجب ؟ وكيف يكلَّفون بما لا يستطاع ؟ ثمّ كيف يعقل أن يفرضهم كفارا لأنّهم لم يأتوا بما لا يستطيعون ؟ الثالث : أنّ هذه القاعدة - المستفادة من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم - لو خصّصناها بمورد الكلّ والجزء لم يناسب مورد الحديث ، ولو طبّقت على باب الكلَّي والفرد ، فتصوير تطبيقها عليه يكون بأحد أنحاء ثلاثة :
1 - أن تحمل على الأمر بالكلَّي بنحو صرف الوجوب ، فيصير المعنى : إذا أمرتكم بشيء بنحو صرف الوجود ، فأتوا من أفراده بمقدار استطاعتكم ، وهذا كما ترى تناقض واضح ، فإنّ الأمر المتعلَّق بصرف الوجود لا يقتضي أزيد من الإتيان بصرف الوجود .
2 - أن تحمل على الأمر المتعلَّق بالكلَّي بنحو مطلق الوجود ، فيقول : إذا أمرتكم بكلَّي بنحو مطلق الوجود من قبيل : أكرم العالم مثلا ، فأتوا من أفراده ما استطعتم .
وهذا أوّلا : لا يناسب المورد ، لأنّ الحجّ لم يؤمر به بنحو مطلق الوجود .
وثانيا : أنّ هذا هو المحذور الَّذي كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بصدد تخليص عكاشة والمسلمين منه ، فإنّ عكاشة وبقية المسلمين لم يكونوا يحتملون أكثر من هذا المقدار ، وهو وجوب الحجّ قدر المستطاع ، وظاهر سياق الحديث أنّه في مقام صيانتهم عن هذا المحذور .
3 - أن يكون المقصود ضرب قاعدة في مقام الاستفادة من الأدلَّة : وهي أنّه
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 417
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٧