على البراءة ، لكنّ هذا غير دعوى أنّ الشكّ هنا مجرى للاشتغال دون البراءة ، على أنّ السيّد الأستاذ لا يقول بالاستصحاب في الشبهات الحكميّة .
وثالثا : أنّنا لو سلَّمنا أنّ الشكّ في المسقط مجرى للاشتغال ، وأنّ الشكّ في المقام شكّ في المسقط ، قلنا : إنّ الشكّ هنا إنّما يكون شكَّا في المسقط بلحاظ عالم الجعل ، لأنّ المولى لا يتمكَّن من إيجاب الأقلّ على الناسي ، لشبهة الشيخ الأعظم رحمه اللَّه ، وأمّا بلحاظ عالم الملاك والغرض فالأمر دائر لا محالة بين الأقلّ والأكثر ، لعدم تأتّي شبهة الشيخ الأعظم رحمه اللَّه هناك . وعليه ، فلا مانع من إجراء البراءة بلحاظ عالم الملاك ، فإنّ السيّد الأستاذ وإن كان لا يقول بجريان البراءة الشرعيّة بلحاظ عالم الملاك ، لاختصاصها بالمجعولات الشرعيّة ، لكن لا بأس بالتمسّك بالبراءة العقليّة حسب مبانيه ، وإن كان الصحيح عندنا عدم إمكان التمسّك بها - لو قلنا بالبراءة العقليّة في نفسها - ، وذلك لما مضى منّا من عدم انحلال العلم الإجمالي حقيقة عند دوران الأمر بين تعيين وتخيير من هذا القبيل .
وقد نقول بالتمسّك بالبراءة الشرعيّة في المقام ، وذلك إمّا تمسّكا بحديث ( الرفع ) ، بدعوى أنّ الرفع لا يفهم منه عرفا الاختصاص بخصوص المجعول الشرعي ، بل يشمل كل تحميل شرعي يكون بفعل الشارع الاختياري ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، فلئن لم يمكن للمولى جعل الأقلّ على الناسي ، لشبهة الشيخ الأنصاري يمكنه بيان الملاك والغرض ولو بنحو الإخبار ، فنجري البراءة عن الإخبار بالزائد ، وإمّا تمسّكا بأدلَّة البراءة التي لم تشتمل على مثل كلمة ( الرفع ) فيمكن التمسّك بها حتّى بلحاظ نفس الملاك .
وأمّا في الصورة الثانية : وهي استيعاب النسيان لتمام الوقت فعدم كون الشكّ هنا شكَّا في المسقط أوضح ، إذ هو في داخل الوقت لم يجب عليه شيء لا التمام ، لكونه ناسيا لبعض الأجزاء ، ولا الناقص ، لعدم إمكان إيجابه على الناسي ، ويشكّ بدوا في وجوب القضاء عليه بعد الوقت ، إذ لو كانت السورة جزءا في حال النسيان فقد فاتته الصلاة وعليه القضاء ، وإن لم تكن جزءا في حال النسيان لم تفته الصلاة وليس عليه قضاء .
نعم ، بلحاظ عالم الملاك والغرض يعلم إجمالا بوجود الغرض إمّا في الأقلّ في الوقت ، أو في الأكثر في خارج الوقت ، وهو علم إجمالي مردّد بين المتباينين ، إلَّا أنّ أحد طرفيه قد خرج عن محل الابتلاء قبل حصول العلم .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 383
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٨٣